أكد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، اليوم (الاثنين)، حرص حكومته البالغ على إحلال السلام والاستقرار الدائمين في البلاد، مشدداً على أن مبادرته الشاملة التي طرحها سابقاً أمام مجلس الأمن الدولي تمثل الأساس الجوهري لإنهاء الحرب المدمرة التي تعصف بالوطن.
وفي مؤتمر صحفي عقده في الخرطوم عقب مشاركته في «مؤتمر ميونيخ للأمن»، أوضح إدريس أن «لدينا نحن أهل السودان مبادرة وطنية بملكية سودانية خالصة، وحظيت بدعم كبير داخلياً وخارجياً». وأضاف أن هذه المبادرة تركز في جوهرها على تعزيز وحدة البلاد، وتطبيق سيادة حكم القانون، وحماية المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذا الصراع.
وأعرب رئيس الحكومة السودانية عن ترحيبه بكافة الأفكار والمبادرات التي تأتي من مختلف بقاع العالم لدعم جهود السلام، مبيناً أن الحرب التي تشنها قوات الدعم السريع (RSF) على البلاد، بدعم خارجي واسع النطاق، تشكل تهديداً وجودياً حقيقياً لدولة السودان ومستقبلها.
ولفت إلى أن القوات المسلحة السودانية «تصدت ببسالة لهذه المؤامرة وحققت بالفعل انتصارات بتطهير أجزاء واسعة في البلاد من التمرد»، مؤكداً موقف الحكومة: «نحن دعاة سلام ولسنا دعاة حرب، بل الحرب قد فُرضت علينا، وقد شرحنا بالتفصيل مقترحاتنا بشأن وقف الحرب وإحلال السلام». هذا التأكيد يعكس إصرار الحكومة على الدفاع عن سيادة الدولة مع الإبقاء على باب الحوار مفتوحاً.
السياق العام والخلفية التاريخية للصراع
يأتي هذا التصريح في ظل صراع مسلح مدمر اندلع في السودان منذ أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF). تعود جذور هذا الصراع إلى سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والعسكري في البلاد، والتي تفاقمت بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019. شهدت الفترة الانتقالية صراعاً على السلطة بين المكونين العسكريين، حيث كانت قوات الدعم السريع، التي نشأت من ميليشيات الجنجويد في دارفور، قد اكتسبت نفوذاً كبيراً وأصبحت قوة موازية للجيش النظامي. فشلت محاولات دمجها في الجيش، مما أدى إلى تفجر المواجهات المسلحة التي حولت أجزاء واسعة من البلاد إلى ساحة حرب.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
على الصعيد المحلي: يواجه السودان كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث نزح الملايين من منازلهم، وتفشى الجوع والأمراض، وانهارت البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس. يهدد استمرار الصراع بتفكك الدولة السودانية وتقسيمها، مما سيؤدي إلى مزيد من المعاناة لشعبها ويزعزع استقرار المنطقة بأسرها. إن دعوة رئيس الوزراء للسلام ومبادرته تعكس الحاجة الملحة لوقف هذا النزيف وتوحيد الجهود الوطنية لإنقاذ البلاد.
على الصعيد الإقليمي والدولي: يثير الصراع في السودان قلقاً عميقاً لدى المجتمع الدولي. فقد أدى إلى تدفق أعداد هائلة من اللاجئين إلى الدول المجاورة مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا، مما يضع ضغوطاً هائلة على موارد هذه الدول ويزيد من مخاطر عدم الاستقرار الإقليمي. كما يخشى العديد من المراقبين من تحول السودان إلى ساحة للصراعات بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، مما سيعقد أي حلول مستقبلية. وتواصل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية جهودها الدبلوماسية لحث الأطراف المتحاربة على وقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وكان رئيس الحكومة السودانية قد أشاد سابقاً بالتعاون الثلاثي بقيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترمب، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لجهودهم المبذولة في فترات سابقة من أجل إنهاء النزاع في السودان. هذه الإشادة تسلط الضوء على الأهمية التاريخية للتدخلات الدولية والإقليمية في محاولة تحقيق الاستقرار في البلاد، وتؤكد على أن الحل يتطلب تضافر جهود داخلية وإقليمية ودولية.
وتفصيلاً لمبادرته، كان رئيس الحكومة السودانية قد قدم لمجلس الأمن الدولي في ديسمبر الماضي «مبادرة السودان للسلام» التي تنص على انسحاب «قوات الدعم السريع» من جميع المناطق التي تحتلها، بالتزامن مع وقف فوري لإطلاق النار تحت رقابة مشتركة وفعالة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. هذه الخطوات تعتبر حاسمة لتهيئة بيئة مناسبة للحوار السياسي الشامل الذي يهدف إلى استعادة المسار الديمقراطي وبناء دولة مستقرة وموحدة.


