تجددت المخاوف بشأن سلامة الحكام في كرة القدم الإيطالية بعد أن طالبت الشرطة الإيطالية الحكم الدولي فيديريكو لا بينّا، الذي أدار مباراة قمة بين إنتر ميلان ويوفنتوس، بعدم مغادرة منزله. جاء هذا الإجراء الاحترازي في أعقاب تلقيه تهديدات بالقتل عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يسلط الضوء على الضغوط الهائلة التي يتعرض لها حكام المباريات الكبرى في إيطاليا.
تعود جذور هذه التهديدات إلى مباراة “ديربي إيطاليا” المثيرة للجدل التي جمعت بين إنتر ويوفنتوس ضمن الجولة الخامسة والعشرين من الدوري الإيطالي الدرجة الأولى (سيري آ). انتهت المباراة بفوز إنتر ميلان على ضيفه يوفنتوس بنتيجة 3-2، وشهدت توترًا كبيرًا وقرارات تحكيمية أثارت غضبًا واسعًا. كان أبرز هذه القرارات طرد لاعب خط وسط يوفنتوس، الفرنسي رودريغو بنتانكور، بالبطاقة الصفراء الثانية في الدقيقة 42 من الشوط الأول. اعتبرت جماهير يوفنتوس وإدارته أن الخطأ الذي ارتكبه بنتانكور على أليساندرو باستوني كان “وهميًا” وغير مستحق للطرد، مما أثار موجة من الاحتجاجات داخل الملعب وخارجه.
تاريخيًا، لطالما كانت كرة القدم الإيطالية مرتعًا للعاطفة الجياشة والمنافسات الشرسة، خاصة بين قطبي الكرة الإيطالية إنتر ويوفنتوس. هذه الأجواء المشحونة غالبًا ما تضع الحكام تحت مجهر دقيق، وتجعلهم عرضة للانتقادات الشديدة عند أي قرار مثير للجدل. وقد شهدت الملاعب الإيطالية في الماضي حوادث مشابهة، حيث تعرض حكام لضغوط هائلة، بل وحتى تهديدات، مما يعكس الشغف الكبير للجماهير الذي قد يتحول أحيانًا إلى سلوكيات غير مقبولة.
بعد المباراة، تصاعدت حدة الغضب بين جماهير يوفنتوس، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتوجيه الإهانات والتهديدات بالقتل للحكم لا بينّا. هذه الظاهرة ليست جديدة، فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل على الأفراد إخفاء هويتهم وتوجيه رسائل الكراهية والتهديدات، مما يزيد من صعوبة حماية الشخصيات العامة مثل الحكام. وقد أثرت هذه التهديدات أيضًا على اللاعب أليساندرو باستوني، الذي اتهمه مشجعو يوفنتوس بالتمثيل للحصول على البطاقة، وتلقى هو الآخر نصيبه من الإهانات والتهديدات.
في محاولة لتهدئة الأوضاع، اضطر رئيس لجنة الحكام في الدوري الإيطالي، جيانلوكا روكي، إلى الاعتذار علنًا عن الخطأ التحكيمي الذي حدث في المباراة، وهو اعتراف نادر يبرز حجم الجدل الذي أثاره القرار. ورغم وجود تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) التي تهدف إلى تقليل الأخطاء التحكيمية الفادحة، إلا أن الجدل حول تطبيقها لا يزال مستمرًا. ففي هذه الحالة، طالب اللاعبون بمراجعة اللقطة عبر تقنية VAR بعد إشهار البطاقة الصفراء الثانية، لكن القرار لم يتغير، مما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للحكم وللنظام.
إن تداعيات مثل هذه الحوادث تتجاوز حدود المباراة الواحدة أو الدوري المحلي. على الصعيد المحلي، تثير هذه التهديدات تساؤلات جدية حول سلامة الحكام وضرورة توفير حماية أكبر لهم، ليس فقط من الجماهير في الملاعب، بل أيضًا من الهجمات الإلكترونية. وعلى الصعيد الأوسع، تعكس هذه الواقعة مشكلة عالمية تواجه كرة القدم، حيث يتعرض الحكام في مختلف الدوريات لضغوط هائلة وإساءات متزايدة. إنها دعوة للاتحادات الكروية حول العالم لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد السلوكيات المسيئة عبر الإنترنت، وتثقيف الجماهير حول أهمية احترام قرارات الحكام، حتى لو كانت خاطئة، للحفاظ على الروح الرياضية وجاذبية اللعبة.
تؤكد هذه الحادثة على الحاجة الملحة لتعزيز آليات الدعم النفسي والقانوني للحكام، وضمان أن يتمكنوا من أداء واجباتهم دون خوف من الانتقام أو التهديد على حياتهم الشخصية. ففي نهاية المطاف، هم جزء لا يتجزأ من اللعبة، وسلامتهم ضرورية لاستمرارية نزاهة كرة القدم.


