spot_img

ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يحمي بعثة اليابان بأولمبياد ميلانو 2026

في عالم الرياضة الحديث، حيث تتزايد التغطية الإعلامية والانتشار الرقمي للرياضيين، أصبحت التحديات الأمنية تتجاوز الملاعب لتصل إلى الفضاء الإلكتروني. تواجه البعثة اليابانية المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية «ميلانو–كورتينا 2026» موجة غير مسبوقة من الهجمات الإلكترونية، مسجلةً نحو 62 ألف منشور مسيء استهدف الرياضيين وأعضاء البعثة. هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا على الساحة الرياضية العالمية، فقد شهدت الدورات الأولمبية السابقة والفعاليات الرياضية الكبرى حوادث متفرقة من التحرش الإلكتروني والتنمر، لكن حجم هذه الهجمات وتطورها يمثل تحديًا متزايدًا يتطلب حلولًا مبتكرة.

تاريخيًا، كانت حماية الرياضيين تركز بشكل أساسي على الأمن المادي والصحة البدنية. ومع دخولنا عصر الرقمنة، أصبح الجانب النفسي والعقلي للرياضيين عرضة للخطر بشكل متزايد بسبب سهولة انتشار المعلومات، سواء كانت حقيقية أو مضللة، والتعليقات السلبية عبر منصات التواصل الاجتماعي. إن الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الرياضيون في المنافسات الدولية تتفاقم بشكل كبير عندما يواجهون حملات تشويه أو تنمر إلكتروني، مما قد يؤثر سلبًا على أدائهم وتركيزهم وحتى صحتهم النفسية على المدى الطويل.

في ظل هذا الواقع المعقد، استعانت اليابان بالذكاء الاصطناعي (AI) وفريق متخصص لحماية رياضييها وضمان سلامتهم النفسية وكرامتهم. وقد أكدت اللجنة الأولمبية اليابانية أن هذه الهجمات، التي بدأت منذ 18 يناير الماضي، تضمنت منشورات مسيئة على الإنترنت استهدفت الرياضيين وأعضاء البعثة. وقد تم تقديم طلبات لإزالة 1055 منشورًا، نجح الفريق في حذف 198 منها حتى الآن، في خطوة حاسمة تهدف إلى عزل الرياضيين عن التأثيرات السلبية لهذه الهجمات.

يأتي هذا التصعيد في وقت شهدت فيه البعثة هجومًا حادًا على أحد الرياضيين، مما اضطره للانسحاب من المنافسة بسبب إصابة، بينما تعرض آخر لسيل من التعليقات الجارحة قبل انطلاق مسابقة كانت مقررة له. هذه الحوادث تسلط الضوء على الأثر المباشر والمدمر للتحرش الإلكتروني على مسيرة الرياضيين وقدرتهم على الأداء تحت الضغط. وفي مؤتمر صحفي عقد في ميلانو، شدد هيديهيتو إيتو، رئيس البعثة اليابانية، على أن «توجيه كلمات مؤذية للرياضيين يمس كرامتهم ويستنزف طاقتهم»، داعيًا إلى ضرورة وقف هذه السلوكيات فورًا.

تعتمد استراتيجية الحماية اليابانية على فريق عمل متخصص يضم 22 عضوًا، بينهم خبراء في الأمن السيبراني وقانونيون، يعملون على مدار الساعة في كل من إيطاليا واليابان. هذا الفريق لا يعتمد فقط على المراقبة البشرية، بل يستفيد بشكل كبير من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة فائقة، وتحديد الأنماط في المحتوى المسيء، واكتشاف التعليقات والمنشورات الضارة بناءً على الكلمات المفتاحية والسياق وحتى تحليل المشاعر (sentiment analysis). هذه القدرة على الرصد والتحليل الآلي تمكن الفريق من رصد المحتوى المسيء وطلب حذفه بشكل سريع وفعال، بالتعاون الوثيق مع شركات التكنولوجيا الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي مثل ميتا (فيسبوك وإنستغرام) ولاين ياهو.

إن أهمية هذا النهج لا تقتصر على حماية البعثة اليابانية فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات أوسع. على المستوى المحلي، يعزز هذا الإجراء ثقة الرياضيين اليابانيين ويؤكد لهم دعم بلادهم في مواجهة التحديات غير الرياضية. إقليميًا ودوليًا، يمكن أن تكون هذه المبادرة نموذجًا يحتذى به للجان الأولمبية الأخرى والاتحادات الرياضية حول العالم. فمع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا في حياتنا اليومية، أصبحت حماية الرياضيين من التهديدات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من مسؤولية المنظمات الرياضية. استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يمثل خطوة رائدة نحو تأمين بيئة أكثر أمانًا وصحة نفسية للرياضيين، مما يسمح لهم بالتركيز الكامل على تحقيق أفضل أداء ممكن وتمثيل بلدانهم بكرامة.

تؤكد البعثة اليابانية أن هذه الجهود تأتي ضمن استراتيجية شاملة لضمان حماية الرياضيين من الهجمات الإلكترونية والحفاظ على سلامتهم النفسية خلال المنافسات الدولية، بما يعكس احترام حقوقهم وكرامتهم في المحافل العالمية. هذا الالتزام بحماية الرياضيين في العصر الرقمي يضع معيارًا جديدًا لكيفية دمج التكنولوجيا المتقدمة لضمان بيئة رياضية عادلة وآمنة للجميع.

spot_imgspot_img