
في حوار معمق يضيء جوانب خفية من تاريخ العلاقات الأوروبية العربية، يكشف الخبير والمؤرخ الفرنسي لويس بلان، المستعرب والدبلوماسي السابق، عن رؤى فريدة حول تفاعل عمالقة الفكر والتاريخ الفرنسي مع الدين الإسلامي. بلان، الذي قضى ثلاثين عاماً في السلك الدبلوماسي قبل أن يتفرغ للكتابة والبحث، يقدم من خلال مؤلفاته الثلاثة الأخيرة قراءة متوازنة بعيدة عن الصور النمطية والتفسيرات التبسيطية لعلاقة شخصيات مثل نابليون بونابرت، وفيكتور هوغو، وألفونس دو لامارتين بالإسلام. هذه الأعمال لا تكتفي بتسليط الضوء على الفضول الفكري لهؤلاء العمالقة تجاه الإسلام، بل تتعمق في الأبعاد السياسية والرمزية لمقارباتهم، محاولاً فهم كيفية إدراكهم للقيم الإسلامية وتأثير ذلك على مسيرة الحوار بين الغرب والشرق.
سياق تاريخي: الغرب والإسلام عبر العصور
لطالما شكلت العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي محوراً للتبادل الثقافي، وأحياناً للصراع. فمنذ العصور الوسطى، شهدت أوروبا تفاعلاً مع الحضارة الإسلامية عبر الأندلس وصقلية والحروب الصليبية، ما أثر في الفلسفة والعلوم والفنون. ومع حلول عصر التنوير، بدأ اهتمام جديد بالشرق، ليس فقط كمصدر للمعرفة، بل كموضوع للتأمل الفلسفي والسياسي. في هذا السياق، تبرز شخصيات مثل نابليون بونابرت، الذي قاد حملته الشهيرة على مصر في أواخر القرن الثامن عشر (1798-1801). لم تكن هذه الحملة مجرد مغامرة عسكرية، بل كانت محاولة لمد النفوذ الفرنسي و”تحديث” الشرق، وقد رافقها اهتمام كبير بالثقافة والعلوم المصرية والإسلامية، ما أدى إلى تأسيس علم المصريات الحديث وظهور ما يُعرف بـ “الاستشراق”.
يُشير بلان إلى أن نابليون، على سبيل المثال، حاول توظيف الإسلام لأغراض سياسية خلال حملته على مصر، لكن بحثه التاريخي يثبت أن إعجابه بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وبالإسلام ككل، خاصة لدوره الاجتماعي وعقلانيته وتسامحه، كان صادقاً ويتجاوز مجرد الاستمالة السياسية. وقد عبر عن هذه القناعات حتى في منفاه بسانت هيلانة، حيث لم يكن لديه طموح سياسي. هذه الرؤية تُقدم بعداً جديداً لفهم شخصية نابليون وتأثير لقائه بالإسلام على تاريخ العلاقات الفرنسية الإسلامية.
عمالقة الأدب الفرنسي والإسلام: فضول فكري وروحانية
أما فيكتور هوغو، عملاق الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فقد مثل الإسلام له مصدراً يروي عطشه الإسكاتولوجي وموضوعاً للإلهام والتأمل في سعيه المحموم إلى الروحانية. ورغم أنه لم ينتمِ إلى أي دين، إلا أن افتتانه بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كان واضحاً في أعماله. وكذلك ألفونس دو لامارتين، الشاعر والسياسي الفرنسي، الذي كان كاثوليكياً متديناً لكنه طبق روحانية الإسلام على نفسه، ما دفع بلان لوصفه بـ “الكاثوليكي المسلم”. هذه المقاربات الفكرية والروحية لهؤلاء العمالقة تكشف عن عمق التفاعل الثقافي الذي غالباً ما يتم تجاهله أو تشويهه.
يؤكد بلان أن جميع كتاباته تستند بالكامل إلى مراجع تاريخية موثوقة ومذكورة في الهوامش، ما يتيح للقارئ التحقق منها. هذه المنهجية العلمية ضرورية لتصحيح المفاهيم الخاطئة وتجاوز الروايات التبسيطية التي طالما هيمنت على فهم هذه العلاقة المعقدة.
الإسلاموفوبيا والإرث الاستعماري: إنكار للواقع
يطرح لويس بلان قضية حساسة تتعلق بإنكار الوسط الثقافي الفرنسي لاعتراف هؤلاء العمالقة بالإسلام أو حتى إسلام بعضهم. يرى بلان أن هذا الإنكار، الواعي أو غير الواعي، يرتبط بالإسلاموفوبيا الموروثة من الحقبة الاستعمارية. فخلال الاستعمار الفرنسي للجزائر، على سبيل المثال، ميزت السلطات الفرنسية قانونياً بين المستوطنين والأهالي، وجعلت من الدين الإسلامي عِرقاً قائماً بذاته، ما أسس لرهاب متوارث من العصور الوسطى. هذا الإرث أدى إلى إهمال دراسة المكانة التي يحتلها الإسلام في الأدب الفرنسي الكلاسيكي، وإخفاء حقيقة أن الأدب الفرنسي مشبع بالإسلام، وذلك لتدعيم الهيمنة الاستعمارية.
هذا النسيان أو الإغفال المتعمد يمثل خيانة للذاكرة الثقافية الفرنسية وللجانب الإسلامي من ثقافتها، وهو جانب أقدم بكثير من موجات الهجرة الكبرى في القرن العشرين. يرى بلان أن فيكتور هوغو ولامارتين ونابوليون هم ضحايا هذه المسيرة التاريخية، وأن إرثهم المنسي يمكن أن يكون ترياقاً فريداً ضد ما يُسمى “صدام الحضارات”، الذي هو في الحقيقة “صدام الجهل”.
تجربة شخصية: الإسلام والدبلوماسية والثقافة
يكشف لويس بلان عن جانب شخصي عميق في حواره، حيث يعلن اعتناقه للإسلام منذ زواجه من فلسطينية عام 1981. هذه التجربة الشخصية تمنحه منظوراً فريداً في فهم الدين الإسلامي وتحدياته. فقد عمل في ستة بلدان عربية (الجزائر، المغرب، مصر، سورية، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية)، ما أكسبه معرفة عميقة بالثقافات الإسلامية. ويصف شهر رمضان بأنه “كنز من الألفة والروح الاجتماعية يمكن للعالم بأسره أن يستلهم منه القيم”.
بعد ثلاثين عاماً قضاها في الدبلوماسية، يعترف بلان بأنه “أخطأ” في اعتقاده بأن السياسة يمكن أن تقلل من العنف في العالم. فالعالم أصبح أكثر عنفاً لأن الناس لم يعودوا يصغون إلى بعضهم بعضاً. وهو يعتقد الآن أن الثقافة هي السبيل الأمثل لتهذيب النفوس ومكافحة التعصب. هذا التحول في قناعته يؤكد أهمية الدبلوماسية الثقافية ودور المثقفين في بناء الجسور بين الشعوب.
المملكة العربية السعودية: تحولات ثقافية ومستقبل مشترك
يتحدث بلان بحنين عن سنواته الأربع “الاستثنائية” في جدة بالمملكة العربية السعودية، معتبراً أن كتبه الستة التي كتبها عن السعودية هي سداد لدين الاستقبال الذي حظي به. يهدف من خلال هذه الكتب إلى إعادة اكتشاف وشرح الكتابات والأيقونات الفرنسية عن الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر، وتقديم صورة عن السعودية المعاصرة للجمهور الفرنسي الذي يجهلها إلى حد كبير، من أجل التقريب بين الشعبين.
يُعجب بلان بالتحولات المتسارعة والمثيرة التي تمر بها المملكة العربية السعودية، خاصة دور الشباب والنساء فيها. ويرى أن هذا التحول الكبير يحدث بطريقة سلمية وناضجة، في حين أن شعوباً أخرى لم تتمكن من استيعاب تغييرات مماثلة إلا عبر الصراعات الداخلية. هذا الانفتاح الثقافي للمملكة منذ عام 2016 يمثل فرصة ينبغي اغتنامها لتعزيز التفاهم العالمي.
التسامح والحوار: ترياق ضد صدام الجهل
يؤكد بلان أن التسامح الذي يعرف به الدين الإسلامي هو مفتاح نجاحه عبر العصور، لكنه يأسف لتصاعد التعصب بين المسلمين في العصر الحديث واستغلال الدين لأغراض سياسية، ما يشوه طبيعته. ويرى أن الإسلام والغرب يمثلان وجهين لعملة واحدة صيغت عبر التاريخ. ورغم تصاعد الإسلاموفوبيا في البلدان الغربية، فإنه لا يدعو إلى فقدان الأمل، معتبراً أن هذا يعكس أزمة هوية مرتبطة بانحطاط عام، وأن الثقافة الغربية، التي انبثقت من عصر الأنوار، ستبقى مرجعاً إنسانياً وعالمياً رغم الانحرافات الاستعمارية وما بعدها.
يُشدد على أن الحوار بين أتباع الأديان ضروري ليتعرفوا ويقدروا بعضهم بعضاً، ويدركوا أن المشكلة الأساسية ليست بينهم، بل مع أولئك الذين يرفضون القيم الدينية المشتركة. فالروحانية تجمع بين جميع الأديان. وفي الختام، يدعو بلان إلى عدم طلب حل المشاكل السياسية من الأديان أو رجال الدين، بل من السياسيين أنفسهم، مع احترام الأديان ورسائلها. إن عمله يمثل دعوة قوية لإصلاح النسيان الثقافي وتعزيز الأخوة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن الثقافة يمكن أن تقرب بين الناس حينما تفرقهم السياسة.


