بيروت، لبنان – في تطور أمني لافت، استهدفت غارة إسرائيلية مساء يوم الجمعة موقعاً يُعتقد أنه تابع لحركة حماس داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في مدينة صيدا جنوب لبنان. وأثارت هذه الضربة، التي تعد الأولى من نوعها في قلب أكبر المخيمات الفلسطينية في البلاد، مخاوف جدية من اتساع رقعة المواجهة الحالية وانتقالها إلى الساحات الداخلية اللبنانية التي تتسم بالهشاشة الأمنية والسياسية.
ووفقاً لمصادر ميدانية وشهود عيان، فإن الغارة التي نُفذت بواسطة طائرة مسيّرة استهدفت مبنى كانت تستخدمه عناصر من حركة حماس كمركز لأنشطتها. وأشارت المعلومات الأولية إلى أن الموقع المستهدف كان يُستخدم أيضاً كنقطة تابعة للقوة الأمنية المشتركة التي شُكلت لضبط الأمن في المخيم عقب الاشتباكات الدامية التي شهدها عام 2023 بين حركة فتح وفصائل إسلامية أخرى.
خلفية تاريخية وسياق إقليمي متوتر
يُعد مخيم عين الحلوة، الذي تأسس عام 1948، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من حيث عدد السكان والمساحة، ويقطنه أكثر من 63 ألف لاجئ مسجل بحسب أرقام الأمم المتحدة، بالإضافة إلى آلاف النازحين الفلسطينيين من سوريا. تاريخياً، يُعرف المخيم بكونه بؤرة للتوترات الأمنية نظراً لتركيبته الفصائلية المعقدة ووجود جماعات مسلحة متعددة، وغالباً ما كان مسرحاً لاشتباكات داخلية. وبموجب اتفاق القاهرة عام 1969، يخضع أمن المخيمات الفلسطينية لسلطة الفصائل الفلسطينية، مما يجعله خارج السيطرة المباشرة للجيش اللبناني.
يأتي هذا الاستهداف في سياق التصعيد المستمر على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية منذ الثامن من أكتوبر 2023، غداة عملية “طوفان الأقصى” التي شنتها حماس. ومنذ ذلك الحين، تشهد الحدود تبادلاً شبه يومي للقصف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي. إلا أن هذه الغارة تمثل تحولاً نوعياً، حيث تنقل إسرائيل عملياتها من المناطق الحدودية إلى عمق المدن اللبنانية، مستهدفةً حلفاء حزب الله من الفصائل الفلسطينية، في تكرار لسيناريو اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، صالح العاروري، في ضاحية بيروت الجنوبية مطلع عام 2024.
الأهمية والتأثيرات المحتملة
على الصعيد المحلي، تحمل الضربة دلالات خطيرة، فهي تهدد بإشعال فتيل التوتر داخل مخيم عين الحلوة الهش أمنياً، وقد تؤدي إلى جولة جديدة من الاقتتال الداخلي أو إلى ردود فعل من الفصائل الفلسطينية قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني في جنوب لبنان. كما يمثل الاستهداف انتهاكاً واضحاً للسيادة اللبنانية ويثير تساؤلات حول قدرة الدولة على ضبط الأوضاع الأمنية في كافة أراضيها.
إقليمياً، يؤكد هذا الهجوم استراتيجية إسرائيل المعلنة بتوسيع بنك أهدافها ليشمل كل من تعتبرهم جزءاً من “محور المقاومة” الذي تقوده إيران. يرى مراقبون أن تل أبيب تسعى من خلال هذه العمليات إلى منع الفصائل الفلسطينية في لبنان من تشكيل جبهة دعم فعالة لحماس في غزة. وعلى الصعيد الدولي، يزيد هذا التصعيد من قلق المجتمع الدولي من اندلاع حرب واسعة النطاق في المنطقة، ويسلط الضوء على الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الأمان والاستقرار.


