spot_img

ذات صلة

مسيّرة صينية تنتحل صفة طائرات مدنية وعسكرية فوق بحر الصين

كشفت تقارير استخباراتية وتحليلات حديثة لبيانات الملاحة الجوية عن تطور لافت في التكتيكات العسكرية الصينية، حيث نفذت مسيّرة صينية متطورة عمليات خداع إلكتروني معقدة فوق مياه بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها. وأظهرت البيانات أن الطائرة المسيرة لم تكتفِ بالتحليق الاستطلاعي، بل قامت بانتحال هويات رقمية لطائرات مدنية وعسكرية تابعة لدول أخرى، في خطوة يراها مراقبون تصعيداً جديداً في "المنطقة الرمادية".

تفاصيل عملية الانتحال الإلكتروني

وفقاً لما نقلته وكالة "رويترز" عن بيانات موقع التتبع العالمي "Flightradar24"، رصدت الرادارات مسيّرة عسكرية صينية، يُعتقد أنها من طراز "وينغ لونغ 2" (Wing Loong 2)، وهي تبث رموز تعريف (Hex Codes) مزيفة. وقد مكنت هذه التقنية المسيرة من الظهور على شاشات الرادار كطائرة شحن بيلاروسية من طراز "إليوشن إي أل-76" تابعة لشركة "رادا إيرلاينز" الخاضعة للعقوبات الأمريكية، وفي أحيان أخرى ظهرت كمقاتلة بريطانية من طراز "تايفون"، أو حتى طائرة ركاب كورية شمالية.

هذا التلاعب الرقمي سمح للمسيرة بتنفيذ ما لا يقل عن 23 رحلة منذ أغسطس الماضي، منطلقة غالباً من قواعد في جزيرة "هاينان" الاستراتيجية، لتمسح مناطق حساسة بالقرب من فيتنام والفلبين، وصولاً إلى قناة "باشي" الحيوية التي تفصل بين تايوان والفلبين.

سياق الصراع: تكتيكات المنطقة الرمادية

تأتي هذه التحركات في سياق ما يعرف عسكرياً بـ"تكتيكات المنطقة الرمادية"، وهي إجراءات عدائية تبقى دون عتبة الحرب المفتوحة، تهدف من خلالها بكين إلى فرض أمر واقع جديد واختبار ردود فعل الخصوم دون إشعال مواجهة عسكرية مباشرة. ويعد بحر الصين الجنوبي مسرحاً رئيسياً لهذه العمليات، حيث تمر عبره تريليونات الدولارات من التجارة العالمية سنوياً، وتتنازع السيادة عليه عدة دول إقليمية.

ويرى خبراء عسكريون أن استخدام الصين لهذه التكنولوجيا في أوقات السلم يهدف إلى جمع معلومات استخباراتية دقيقة حول كيفية تفاعل أنظمة الدفاع الجوي الإقليمية والأمريكية مع "الأهداف الصديقة" أو "المحايدة" المزيفة، مما قد يخلق فوضى عارمة في حال اندلاع نزاع حقيقي.

الأهمية الاستراتيجية والقدرات التقنية

تتمتع المسيرة "وينغ لونغ 2"، التي يُرجح أنها بطلة هذه المناورات، بقدرات تضاهي المسيرة الأمريكية "إم كيو-9 ريبر". فهي قادرة على التحليق لمدة تصل إلى 32 ساعة متواصلة، وحمل صواريخ موجهة وقنابل دقيقة، بالإضافة إلى معدات الحرب الإلكترونية والاستطلاع. تحليق هذه الطائرة بأنماط "نجمية" أو "ساعة رملية" فوق نقاط عبور الغواصات يشير بوضوح إلى مهام مراقبة بحرية متقدمة.

إن انتحال هوية طائرات مدنية أو طائرات تابعة لدول حليفة للغرب (مثل المقاتلة البريطانية) يضع القوات الأمريكية وحلفاءها في المنطقة أمام معضلة عملياتية؛ إذ أن أي تردد في تحديد الهوية الحقيقية للأهداف الجوية خلال الأزمات قد يكون له عواقب وخيمة، سواء بالتأخر في التصدي لتهديد حقيقي أو استهداف طائرة مدنية عن طريق الخطأ.

رسائل سياسية وعسكرية

لا يمكن فصل هذا الحدث عن التوتر المتصاعد حول تايوان. فالتحليق المكثف بالقرب من قناة "باشي"، وهي ممر رئيسي للغواصات والسفن الحربية من المحيط الهادئ إلى بحر الصين الجنوبي، يعد رسالة ردع واضحة. كما أن اختيار انتحال هوية طائرة شحن بيلاروسية مرتبطة بنقل معدات لمجموعة "فاغنر" قد يحمل في طياته رسائل سياسية مشفرة حول التحالفات الدولية وتحدي العقوبات الغربية.

في المحصلة، تُظهر هذه الحادثة أن بكين لا تعمل فقط على تطوير ترسانتها الصاروخية والبحرية، بل تستثمر بقوة في الحرب السيبرانية والإلكترونية لتعقيد الحسابات العسكرية لخصومها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

spot_imgspot_img