تتجه الأنظار اليوم الخميس إلى مدينة جنيف السويسرية، التي تستضيف جولة ثالثة وحاسمة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في مسعى دبلوماسي مكثف يهدف إلى حلحلة الملف النووي الشائك وتجنيب منطقة الشرق الأوسط ويلات تصعيد عسكري محتمل، في ظل التهديدات المتبادلة والحشود العسكرية غير المسبوقة.
سياق تاريخي وتوقيت حرج
تكتسب هذه الجولة أهمية استثنائية كونها تأتي بعد استئناف المفاوضات مطلع الشهر الجاري، في محاولة لكسر الجمود الذي سيطر على المشهد لسنوات. ويعود أصل النزاع إلى مخاوف واشنطن وحلفائها الغربيين، بالإضافة إلى إسرائيل، من أن يكون البرنامج النووي الإيراني غطاءً لإنتاج أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران جملة وتفصيلاً، متمسكة بالطابع السلمي لبرنامجها. وتأتي هذه التحركات في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يعتمد سياسة "الضغط الأقصى" المقرونة بالتلويح بالقوة العسكرية، مما يضع المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي.
الوساطة العمانية.. جسر التواصل
تجري هذه المحادثات المعقدة عبر قنوات غير مباشرة، حيث يلعب وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي دور "ساعي البريد" الموثوق والدبلوماسي المحنك لنقل الرسائل والمقترحات بين الوفدين. يترأس الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، بينما يقود الفريق الأمريكي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف. وقد شهدت الساعات التي سبقت انطلاق الجولة اجتماعات مكثفة، حيث ناقش عراقجي مع الوسيط العماني تفاصيل المقترحات الإيرانية، تمهيداً لعرضها على الجانب الأمريكي صباح اليوم.
العصا والجزرة: استراتيجية واشنطن
في خطابه عن "حالة الاتحاد"، رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ملامح سياسته تجاه طهران، مؤكداً تفضيله للحل الدبلوماسي، لكنه وضع خطاً أحمر عريضاً بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. ولتعزيز موقفه التفاوضي، لم تكتفِ واشنطن بالتصريحات، بل ترجمت تهديداتها إلى واقع عسكري عبر نشر مقاتلات ومجموعات حاملات طائرات ومدمرات في الشرق الأوسط، في حشد هو الأضخم منذ غزو العراق عام 2003، مما يرسل رسالة واضحة بأن الخيار العسكري مطروح بقوة على الطاولة في حال فشل الدبلوماسية.

عقدة الصواريخ الباليستية
رغم أن العنوان العريض للمحادثات هو "الملف النووي"، إلا أن قضية الصواريخ الباليستية تفرض نفسها كعقبة كأداء. فقد صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن رفض طهران مناقشة ترسانتها الصاروخية يشكل "مشكلة كبيرة"، معتبراً إياها تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي وحلفاء واشنطن. في المقابل، تصر طهران على فصل المسارين، مطالبة باتفاق "عادل وسريع" يركز على رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة مقابل ضمانات نووية، مع أنباء عن تقديمها تنازلات تتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم.
ضغوط الداخل وتحديات الاقتصاد
لا يملك المفاوض الإيراني ترف الوقت، فالضغوط الداخلية تتزايد على القيادة في طهران. يواجه المرشد الأعلى علي خامنئي تحديات اقتصادية غير مسبوقة نتيجة العقوبات التي أرهقت الاقتصاد الإيراني وأدت إلى اضطرابات معيشية. ومن هنا، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتؤكد التزام بلاده بفتوى تحريم أسلحة الدمار الشامل ومعاهدة حظر الانتشار النووي، في محاولة لطمأنة المجتمع الدولي وتسهيل التوصل لاتفاق يرفع طوق العقوبات.
التداعيات الإقليمية والدولية
تتجاوز أهمية محادثات جنيف الغرف المغلقة لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي. وقد تفاعلت أسواق الطاقة فوراً مع هذه التطورات، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعاً طفيفاً وسط مخاوف المستثمرين من أي تصعيد عسكري قد يهدد إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. كما يترقب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي النتائج، حيث من المتوقع مشاركته في مشاورات موازية لضمان الرقابة الفنية على أي اتفاق محتمل.
بين رغبة واشنطن في اتفاق شامل يشمل الصواريخ، وإصرار طهران على رفع العقوبات أولاً، تبدو جنيف محطة مفصلية. فإما أن تنجح الدبلوماسية في صياغة تسوية تجنب المنطقة حرباً مدمرة، أو أن يؤدي الفشل إلى تسريع وتيرة المواجهة العسكرية التي استعدت لها واشنطن بأساطيلها.


