في تطور لافت يُنذر بتعقيد المشهد الدبلوماسي بين طهران والعواصم الأوروبية، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية، اليوم الخميس، السفير الهولندي لدى طهران، إميل فريدريك دو بونت، لتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة. يأتي هذا التحرك على خلفية اتهام طهران لدبلوماسي هولندي بمحاولة «تهريب» معدات اتصال محظورة، مما فجّر أزمة جديدة بين الجانبين.
تفاصيل الواقعة في مطار الإمام الخميني
تعود جذور الأزمة إلى يوم 28 يناير 2026، عندما أقدمت سلطات الجمارك في مطار الإمام الخميني الدولي على توقيف وتفتيش أمتعة دبلوماسي هولندي رفيع المستوى، يُعتقد أنه أندريه فان فيغن، نائب رئيس البعثة. وبحسب الرواية الإيرانية الرسمية، فقد عُثر داخل الحقائب الدبلوماسية على أجهزة اتصال عبر الأقمار الصناعية من طراز «ستارلينك»، بالإضافة إلى هواتف تعمل بالأقمار الصناعية.
وأكدت الخارجية الإيرانية أن هذه المعدات تندرج ضمن قائمة المواد المحظور استيرادها أو استخدامها داخل الأراضي الإيرانية بموجب القوانين المحلية، معتبرة أن إدخالها بهذه الطريقة يمثل «انتهاكاً للسيادة الوطنية وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».
ستارلينك.. صراع السيادة والفضاء الرقمي
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن السياق العام للصراع الدائر حول الفضاء الرقمي في إيران. فمنذ سنوات، تفرض طهران قيوداً صارمة على الإنترنت، وتسعى لتعزيز شبكتها المحلية (الإنترنت الوطني). في المقابل، تُنظر السلطات الإيرانية إلى تقنية «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس» باعتبارها تهديداً أمنياً مباشراً، وأداة قد تُستخدم في «التجسس» أو تسهيل تنظيم الاحتجاجات الشعبية عبر تجاوز جدار الحماية الحكومي.
وتكتسب هذه الأجهزة حساسية مفرطة لدى النظام الإيراني، خاصة بعد المحاولات الغربية المتكررة لتوفير إنترنت فضائي للإيرانيين خلال فترات الاضطرابات السياسية، مما يجعل من ضبط هذه الأجهزة مع دبلوماسي غربي قضية أمن قومي بالنسبة لطهران، وليست مجرد مخالفة جمركية.
اتفاقية فيينا في مهب الريح
على الجانب الآخر، أثار التصرف الإيراني غضباً واسعاً في لاهاي. فقد سارعت هولندا قبل يومين لاستدعاء السفير الإيراني لديها، مستندة في احتجاجها إلى «اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961». وتنص المادة 27 من هذه الاتفاقية بوضوح على أن «الحقيبة الدبلوماسية لا يجوز فتحها أو حجزها»، مما يجعل الإجراء الإيراني، من وجهة النظر الهولندية والقانون الدولي، سابقة خطيرة تهدد حصانة العمل الدبلوماسي.
وما زاد الطين بلة، هو قيام وسائل إعلام إيرانية بنشر مقاطع فيديو توثق عملية تفتيش الحقائب، وهو ما اعتبرته الخارجية الهولندية «تسريباً متعمداً» يهدف للتشهير وممارسة ضغوط إعلامية، مما ينقل الأزمة من الأروقة الدبلوماسية المغلقة إلى العلن.
تداعيات محتملة على العلاقات الأوروبية الإيرانية
يأتي هذا التصعيد في توقيت حرج تشهد فيه العلاقات بين إيران والاتحاد الأوروبي توتراً غير مسبوق. فمع تعثر المفاوضات النووية، وتزايد العقوبات الأوروبية المرتبطة بملفات حقوق الإنسان والاتهامات المتبادلة حول أنشطة استخباراتية، يُتوقع أن يُلقي حادث «ستارلينك» بظلاله القاتمة على مستقبل التعاون الدبلوماسي.
ويرى مراقبون أن هذه الحادثة قد تدفع دولاً أوروبية أخرى للتضامن مع هولندا، مما قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدبلوماسية لطهران، أو فرض قيود جديدة على تحركات الدبلوماسيين الإيرانيين في أوروبا، في إطار سياسة «المعاملة بالمثل» التي تحكم العلاقات الدولية.


