spot_img

ذات صلة

حكم صيام أصحاب الأعمال الشاقة: فتوى ابن باز وابن حميد

الشيخ ابن باز وابن حميد

في إطار التوجيهات الشرعية التي تلامس واقع الناس وحياتهم اليومية، وتحديداً فيما يتعلق بالجمع بين أداء فريضة الصيام ومتطلبات العمل الشاق، برزت الفتوى المشتركة للعالمين الجليلين الشيخ عبدالله بن حميد والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمهما الله- كواحدة من أهم الفتاوى التي وضعت ميزانًا دقيقًا بين العزيمة والرخصة في شهر رمضان المبارك.

جاءت هذه الفتوى رداً على خطاب ورد من الديوان الملكي يستفسر عن حكم صيام أصحاب الأعمال الشاقة، حيث أكد العالمان على قاعدة شرعية أصيلة وهي أن الأصل في صيام رمضان الوجوب على جميع المكلفين، بما في ذلك تبييت النية من الليل. وأوضحت الفتوى أن مجرد كون العمل شاقاً لا يُسقط وجوب الصيام ابتداءً، ولا يبيح للمسلم أن يصبح مفطراً، فالعمال وأصحاب المهن الشاقة ليسوا في حكم المرضى أو المسافرين الذين رخص لهم الشرع الفطر ابتداءً.

ضوابط الفطر عند الضرورة القصوى

فصلت الفتوى في الحالة التي يجوز فيها للعامل أن يفطر، وهي حالة “الاضطرار”. فإذا شرع العامل في صومه وأثناء النهار واجه مشقة تفضي إلى الضرر أو الهلاك، جاز له حينئذ أن يتناول من الطعام أو الشراب ما يدفع به هذا الضرر والاضطرار فقط، ثم يجب عليه الإمساك بقية يومه احتراماً لحرمة الشهر، وعليه قضاء هذا اليوم في وقت لاحق يتيسر فيه الصيام. وهذا التوجيه يعكس دقة الفقه الإسلامي في التعامل مع الضرورات، حيث تقدر الضرورة بقدرها دون التوسع في الرخص بغير مقتضى شرعي.

المسؤولية الاجتماعية لأرباب العمل

لم تقتصر الفتوى على الجانب الفقهي الفردي للعامل، بل انتقلت لتضع مسؤولية أخلاقية وشرعية على عاتق ولاة الأمور وأرباب العمل. فقد وجه الشيخان دعوة صريحة للمسؤولين بضرورة مراعاة ظروف العمال في شهر رمضان، واقترحت الفتوى حلولاً عملية وتنظيمية، مثل تحويل ساعات العمل الشاق إلى الليل، أو توزيع ساعات العمل النهاري بشكل عادل ومخفف يتيح للعمال التوفيق بين كسب رزقهم وأداء فريضتهم، وهو ما يسبق بمراحل قوانين العمل الحديثة التي تمنع العمل تحت أشعة الشمس المباشرة في أوقات الذروة.

السياق التاريخي والأهمية الفقهية

تكتسب هذه الفتوى أهميتها من مكانة الشيخين ابن باز وابن حميد، اللذين يعدان من أبرز قامات الفقه في العصر الحديث، وتميزت مدرستهما بالتمسك بالدليل من الكتاب والسنة مع مراعاة مقاصد الشريعة في رفع الحرج ودفع الضرر. وتعد هذه الفتوى مرجعاً أساسياً في القضايا العمالية المعاصرة في الدول الإسلامية، حيث تؤكد على شمولية الشريعة وقدرتها على استيعاب المستجدات، موازنة بين حق الله في العبادة وحق النفس في الحياة والعمل، مما يرسخ مفهوم أن الدين يسر، وأن المشقة تجلب التيسير وفق الضوابط الشرعية المرعية.

spot_imgspot_img