في تطور دراماتيكي ينذر بتغير جذري في المشهد الأمني لمنطقة جنوب آسيا، شنت القوات الجوية الباكستانية سلسلة غارات جوية مكثفة استهدفت العاصمة الأفغانية كابل ومدينتي قندهار وبكتيا، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان حكومة طالبان تنفيذ هجوم حدودي ضد القوات الباكستانية. هذا التصعيد العسكري غير المسبوق بين الجارتين النووية (باكستان) والتي تسيطر عليها حركة طالبان، يمثل نقطة تحول خطيرة في العلاقات المتوترة أصلاً بين الطرفين.
تفاصيل الغارات و«الحرب المفتوحة»
أكدت إسلام آباد رسمياً تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت ما وصفته بـ «مواقع دفاعية ومراكز قيادة» تابعة لحركة طالبان. وبررت باكستان هذه العملية بأنها تهدف إلى تقويض قدرات الحركة وإضعاف بنيتها الميدانية التي تُستخدم لتهديد الأمن القومي الباكستاني. وفي تصريح يعكس خطورة الموقف، أعلن وزير الدفاع الباكستاني عبر منصة «إكس» أن صبر بلاده قد «نفد»، معلناً بشكل صريح أن باكستان «ستخوض حرباً مفتوحة» في مواجهة التهديدات القادمة من الغرب.
ووفقاً للتلفزيون الباكستاني الرسمي (PTV)، أسفرت الغارات عن تدمير مقري قيادة للوائين في كابل، ومقر قيادة فيلق في قندهار، بالإضافة إلى مستودعات ذخيرة وقواعد لوجستية في بكتيكا. وأعلن وزير الإعلام الباكستاني حصيلة ثقيلة للعملية، مشيراً إلى مقتل 133 عنصراً من طالبان وإصابة أكثر من 200 آخرين، وتدمير 27 موقعاً عسكرياً.
السياق التاريخي وجذور الأزمة
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن الخلفية التاريخية المعقدة بين البلدين. فمنذ سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان في أغسطس 2021، تلاشت الآمال الباكستانية في تأمين حدودها الغربية. لطالما اتهمت إسلام آباد كابل بإيواء عناصر من «حركة طالبان باكستان» (TTP)، وهي جماعة محظورة تشن هجمات دموية داخل العمق الباكستاني. ورغم الروابط التاريخية، فإن قضية الحدود الاستعمارية المعروفة بـ «خط ديورند» تظل قنبلة موقوتة، حيث ترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها طالبان، الاعتراف بشرعية هذا الخط الفاصل.
واعتبر وزير الدفاع الباكستاني أن أفغانستان تحولت بعد انسحاب الناتو إلى «ساحة لتجميع الإرهابيين»، متهماً طالبان بالعمل كوكيل لمصالح الهند في المنطقة، وهو اتهام يحمل دلالات استراتيجية عميقة في العقيدة العسكرية الباكستانية.
الرواية الأفغانية وتداعيات الصراع
في المقابل، قدمت وزارة الدفاع الأفغانية رواية مغايرة، معلنة مقتل 55 جندياً باكستانياً وأسر آخرين خلال اشتباكات على طول الشريط الحدودي، مؤكدة أن عملياتها جاءت «دفاعاً عن الأراضي والشعب». وأشارت إلى سقوط 8 من عناصرها قبل توقف العمليات القتالية.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد قد يجر المنطقة إلى فوضى أوسع، خاصة مع دخول تنظيم «داعش – ولاية خراسان» على الخط، وتبنيه هجمات دموية مؤخراً في كلا البلدين. إن تحول المناوشات الحدودية إلى قصف جوي للعواصم يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، قد تؤثر سلباً على مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي وتفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لاحتواء الموقف قبل خروجه عن السيطرة.


