spot_img

ذات صلة

شمال الليطاني: خطة حصر السلاح ومستقبل الجيش اللبناني

الجيش اللبناني وشمال الليطاني

في منطقة شمال الليطاني، تتشكل ملامح مرحلة جديدة وحاسمة من تاريخ لبنان الحديث، حيث لم تعد التحركات الميدانية مجرد إجراءات روتينية، بل باتت انعكاساً لميزان قوى دولي وإقليمي يضغط بكل ثقله لفرض واقع أمني جديد.

لم تنطلق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح في هذه المنطقة الحساسة نتيجة نضوج مفاجئ في التوافقات السياسية الداخلية، بل جاءت استجابة لضغط خارجي متصاعد وصل إلى مستويات غير مسبوقة. فالمعادلة اليوم باتت واضحة: الدعم الأمريكي للجيش اللبناني مشروط بتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، في حين تفرض النار الإسرائيلية تهديداً يومياً يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، مما يضع الدولة اللبنانية أمام خيار وحيد وهو الإسراع في التنفيذ حفاظاً على ما تبقى من صدقيتها الدولية.

السياق الاستراتيجي وأهمية شمال الليطاني

لفهم خطورة المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى الخلفية الجيوسياسية للمنطقة. لطالما شكل نهر الليطاني فاصلاً استراتيجياً في الصراع مع إسرائيل، خاصة بعد حرب يوليو 2006 وصدور القرار الأممي 1701 الذي ركز بشكل أساسي على جنوب النهر. اليوم، تنتقل الأنظار إلى "شمال الليطاني"، المنطقة التي تعتبر العمق الاستراتيجي واللوجستي، والتي يُنظر إليها دولياً على أنها الامتداد الذي يجب ضبطه لمنع إعادة تشكيل القدرات العسكرية للفصائل المسلحة.

إن أهمية هذا الحدث تتجاوز الشأن المحلي؛ فاستقرار هذه المنطقة يعني حماية الأمن الإقليمي وتجنب انزلاق لبنان والمنطقة نحو حرب شاملة. المجتمع الدولي يراقب بدقة، حيث يُعتبر نجاح الجيش في بسط سيطرته شمال النهر مؤشراً على قدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرار السلم والحرب.

ازدواجية المشهد السياسي الداخلي

وسط هذه التعقيدات، يبرز تباين لافت في المشهد الداخلي اللبناني. فبينما جاء خطاب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، حاسماً في رفضه العلني لتسليم السلاح، أظهر الواقع المؤسساتي مرونة مغايرة. وزراء الحزب لم يعترضوا داخل مجلس الوزراء على إطلاق المرحلة الثانية من الخطة، ولم ينسحبوا من الجلسة التي أقرت الانتقال الميداني إلى شمال الليطاني.

هذا التناقض الظاهري يشير إلى إدارة دقيقة للأزمة؛ حيث يبدو أن هناك توزيعاً للأدوار يهدف إلى تمرير العاصفة بأقل الأضرار الممكنة، وتجنب صدام مباشر مع الدولة أو المجتمع الدولي في توقيت حرج.

السباق مع الزمن والضغط الدولي

تتعامل الولايات المتحدة مع المرحلة الثانية كمعيار لجدية الحكومة اللبنانية. أي مماطلة أو ترك للمهل مفتوحة سيُفسر على أنه فرصة لإعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، مما قد يؤدي إلى تجميد الدعم المالي والعسكري للجيش. وفي هذا السياق، تتوجه الأنظار إلى مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده في 5 مارس المقبل، والذي يُعول عليه لتوفير الغطاء المالي والسياسي اللازمين لاستكمال الخطة.

ومع ذلك، يبقى الدعم الدولي سلاحاً ذو حدين؛ فهو يعزز قدرات الجيش اللوجستية، لكنه لا يلغي التحديات الميدانية المتمثلة في وجود منشآت وأنفاق ومخازن تتطلب معالجة دقيقة لتجنب أي انفجار أمني.

التهديد الإسرائيلي المستمر

على المقلب الآخر، لا تقف إسرائيل موقف المتفرج. فمن خلال عمليات الاستطلاع المكثفة والاغتيالات والضربات الجوية، تسعى تل أبيب لفرض واقع بالنار يمنع أي فراغ استراتيجي قد يستغله الطرف الآخر. هذا الضغط العسكري يضع الجيش اللبناني أمام مسؤولية جسيمة: ملء الفراغ فوراً لمنع الذرائع الإسرائيلية.

في المحصلة، يجد الجيش اللبناني نفسه ينفذ مهمة معقدة ضمن حدود الإمكانات المتاحة، وبلا غطاء سياسي داخلي كامل وناجز. إن المعركة الحقيقية شمال الليطاني ليست مجرد انتشار للجنود، بل هي اختبار لمدى قدرة الدولة على حسم قرارها السيادي وإنهاء ازدواجية السلاح بشكل نهائي.

spot_imgspot_img