كشف أحدث استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» الأمريكية المرموقة عن تحوّل جذري ولافت في اتجاهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة، حيث أظهرت النتائج وللمرة الأولى تفوق نسبة التعاطف مع الفلسطينيين على الإسرائيليين. وأبدى 41% من المشاركين في الاستطلاع تعاطفهم مع الجانب الفلسطيني، مقابل 36% أعلنوا تعاطفهم مع الجانب الإسرائيلي، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ أن بدأت المؤسسة في تتبع هذه المؤشرات وقياسها قبل عدة عقود.
تغيرات ما بعد السابع من أكتوبر
تأتي هذه النتائج في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، لتعكس تغيراً ملموساً مقارنة بالفترة التي سبقت اندلاع الحرب عقب هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023. فقبل هذا التاريخ، كانت الكفة تميل بوضوح لصالح إسرائيل بنسبة تعاطف بلغت 54% مقابل 31% فقط للفلسطينيين. ومع هامش خطأ في الاستطلاع يبلغ 4%، تشير البيانات الحالية إلى تقارب إحصائي شديد، إلا أن الاتجاه العام يظهر تصاعداً مستمراً في الدعم للرواية الفلسطينية.
الديمقراطيون والشباب يقودون التحول
أوضح الاستطلاع، الذي شمل عينة من ألف شخص، أن الانقسام الحزبي والجيلي يلعب دوراً حاسماً في هذا التحول. فقد كان الناخبون الديمقراطيون المحرك الرئيسي لهذا التغيير، إذ صرح نحو ثلثي الديمقراطيين بأنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، بينما انحصر التعاطف مع إسرائيل في اثنين فقط من كل عشرة منهم. وفي تطور لافت، أبدى المستقلون سياسياً وللمرة الأولى تعاطفاً أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين.
وعلى صعيد الفئات العمرية، كشفت الأرقام عن فجوة كبيرة بين الأجيال؛ حيث يتعاطف نحو نصف الأمريكيين من فئة الشباب (بين 18 و34 عاماً) مع الفلسطينيين، مقارنة بربعهم تقريباً مع الإسرائيليين، وهو ما يعكس تأثر هذه الفئة بمنصات التواصل الاجتماعي والمشاهد الإنسانية القادمة من غزة، فيما تتقلص هذه الفجوة تدريجياً لدى الفئات الأكبر سناً.
في المقابل، لا يزال الحزب الجمهوري يمثل الحصن التقليدي للدعم الإسرائيلي، حيث يعلن نحو 7 من كل 10 جمهوريين تعاطفهم مع إسرائيل، ورغم ذلك، فإن هذه النسبة تعد أقل قليلاً من المستويات القياسية التي سُجلت قبل الحرب الحالية.
السياق التاريخي والأهمية السياسية
يكتسب هذا الاستطلاع أهمية استثنائية عند وضعه في سياقه التاريخي؛ فلطالما تمتعت إسرائيل بدعم شعبي واسع في الولايات المتحدة منذ منتصف القرن العشرين، وكان الرأي العام الأمريكي يُعتبر ركيزة أساسية للعلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب. هذا التحول يشير إلى تصدع في “الإجماع” التقليدي الداعم لإسرائيل، خاصة داخل القاعدة الشعبية للحزب الديمقراطي، مما قد يشكل ضغطاً متزايداً على صناع القرار في البيت الأبيض والكونغرس عند صياغة السياسات الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط.
مستقبل حل الدولتين
وفي مؤشر آخر على رغبة الشارع الأمريكي في حل سياسي دائم للصراع، بيّن الاستطلاع أن 57% من الأمريكيين يؤيدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذه النسبة تعكس وعياً متزايداً بضرورة إنهاء الصراع عبر الحلول الدبلوماسية بدلاً من الحلول العسكرية، وتتوافق مع الدعوات الدولية المتكررة لإحياء مسار السلام.


