في ظل المشهد الإقليمي المتفجر وتسارع دقات طبول الحرب في الشرق الأوسط، يشهد لبنان حراكاً رسمياً مكثفاً على أعلى المستويات، يهدف بالدرجة الأولى إلى تحصين الساحة الداخلية وتجنيب البلاد الانزلاق إلى أتون صراعات مدمرة. وتأتي هذه التحركات استجابةً لمخاوف جدية من توسع رقعة المواجهات العسكرية لتشمل الجبهة اللبنانية بشكل أوسع.
حراك رئاسي لضبط الإيقاع الداخلي
قاد الرئيس اللبناني جوزيف عون سلسلة من الاتصالات الماراثونية والمشاورات المكثفة التي تعكس خطورة المرحلة الراهنة. وشملت هذه الاتصالات أركان الدولة والقيادات الأمنية والدبلوماسية، حيث تواصل مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ووزير الأشغال فايز رسامني، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، بالإضافة إلى السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى. وتندرج هذه الاتصالات في إطار "الدبلوماسية الوقائية" التي تهدف إلى خلق شبكة أمان دولية ومحلية حول لبنان.
وفي خطوة تعكس التنسيق بين السلطات، تشاور الرئيس عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لمتابعة التطورات المتسارعة وتقييم الموقف الميداني والسياسي. وشدد الرئيس عون خلال هذه المشاورات على ضرورة رفع الجهوزية القصوى لدى كافة الأجهزة المعنية، مؤكداً أن "المصلحة الوطنية العليا" يجب أن تكون البوصلة الوحيدة في هذه المرحلة الدقيقة، بعيداً عن أي حسابات فئوية أو ضيقة.
سياق تاريخي ومخاطر اقتصادية
تكتسب هذه التحركات أهمية مضاعفة بالنظر إلى الوضع الهش الذي يعيشه لبنان. فمن الناحية التاريخية، لطالما كان لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يحاول المسؤولون تجنبه اليوم بشتى الطرق. إضافة إلى ذلك، يرزح لبنان تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة تجعل من قدرته على تحمل أعباء أي حرب مفتوحة أمراً شبه مستحيل. لذا، ينظر المراقبون إلى هذه الجهود الرسمية باعتبارها محاولة لإنقاذ ما تبقى من مقومات الدولة ومنع انهيار الهيكل بالكامل.
الحكومة ترفض "المغامرات"
من جانبه، عبر رئيس الحكومة نواف سلام عن موقف حازم يرفض زج لبنان في صراعات غير محسوبة. وفي تدوينة له عبر منصة "أكس"، ناشد سلام اللبنانيين التحلي بالحكمة، قائلاً: "لن نقبل أن يدخل أحد البلاد في مغامرات تهدد أمنها ووحدتها". ويشير هذا التصريح بوضوح إلى التزام الحكومة اللبنانية بالقرارات الدولية وسعيها للنأي بالنفس عن سياسة المحاور التي قد تجلب الويلات للشعب اللبناني.
تطورات ميدانية مقلقة
على المقلب الآخر من الحدود، تتزايد المؤشرات المقلقة، حيث أفادت هيئة البث الإسرائيلية ببدء الجيش الإسرائيلي استدعاء قوات الاحتياط لتعزيز الجبهة الشمالية مع لبنان وفي الضفة الغربية. هذه التحشيدات العسكرية تضع المنطقة برمتها على فوهة بركان، وتزيد من احتمالية تدحرج الأمور نحو مواجهة شاملة متعددة الجبهات، وهو السيناريو الذي تسعى الدبلوماسية الدولية والمحلية لتلافيه في اللحظات الأخيرة.
وختاماً، يبقى الرهان الأكبر على تماسك الجبهة الداخلية اللبنانية وقدرة المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها الجيش، على ضبط الأمن والحفاظ على الاستقرار، باعتبار الدولة هي الضامن الأول والأخير لسلامة الأراضي اللبنانية وحماية مواطنيها.


