سلطت مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط، وهي مستقبل إيران في حال غياب المرشد الأعلى علي خامنئي، خاصة في ظل فرضية مقتله عبر ضربات خارجية. واعتبرت المجلة أن هذا الحدث لن يكون مجرد تغيير في هرم السلطة، بل قد يشكل نقطة تحول تاريخية تضع طهران أمام مفترق طرق: إما انهيار تدريجي للنظام عبر "انفجار داخلي"، أو الانزلاق نحو فوضى إقليمية وحرب واسعة النطاق.
السياق التاريخي وأهمية منصب المرشد
يحتل منصب "الولي الفقيه" في الدستور الإيراني موقعاً مركزياً، حيث يمتلك الصلاحيات المطلقة في رسم السياسات العامة والسيطرة على القوات المسلحة والحرس الثوري. ومنذ تولي علي خامنئي المنصب في عام 1989 خلفاً للخميني، تمحورت مفاصل الدولة حول شخصه. لذا، فإن غيابه يطرح تحديات وجودية للنظام، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات المتكررة التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، مما يجعل مسألة الخلافة معقدة للغاية.
كيف ستدار المرحلة الانتقالية؟
وفقاً للتقرير الفرنسي، وفي حال شغور المنصب، فإن الدستور الإيراني ينص على تشكيل مجلس مؤقت للقيادة (ترويكا). وأعلنت طهران ضمنياً أن السلطة ستدار عبر هذا المجلس الذي يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي. وتأتي هذه الترتيبات وسط تحذيرات من كبار المسؤولين الأمنيين، مثل علي لاريجاني، من محاولات زرع الفرقة، داعين إلى الوحدة الوطنية لتجاوز الفراغ القيادي.
هل يسقط النظام؟ جدلية الانفجار الداخلي
يرى ديفيد ريغوليه روز، الباحث في المعهد الفرنسي للتحليل الاستراتيجي، أن الضربات الخارجية قد تكون "مسرعاً" لديناميكيات موجودة مسبقاً. ويشير إلى أن العملية العسكرية بحد ذاتها ليست هي ما يغير النظام، بل "الانفجار الداخلي" الناتج عن احتقان الشارع. وتستند هذه الفرضية إلى تجدد الاحتجاجات في الجامعات والمدن الإيرانية، مما يعزز احتمالية ظهور فاعلين انتقاليين من داخل المجتمع في حال حدوث اهتزاز عميق في بنية السلطة.
شبح الحرب الأهلية والسيناريوهات العرقية
ناقش التقرير احتمالية نشوب حرب أهلية، حيث حذر تيري كوفيل، الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، من صراعات بين قوى إثنية، مشيراً إلى أن أقليات مثل البلوش أو الأكراد قد تحاول السيطرة على مناطقها. في المقابل، استبعد خبراء آخرون مثل بيار رازوا هذا السيناريو، مؤكدين على تجانس المجتمع الإيراني وقوة الشعور القومي الذي قد يطغى على النزعات الانفصالية في لحظات الأزمات الكبرى.
القدرات العسكرية وتداعيات الفوضى الإقليمية
عسكرياً، ورغم تهديدات الحرس الثوري بشن "أعنف هجوم في التاريخ"، تشير التحليلات إلى محدودية الخيارات الإيرانية التقليدية. وتؤكد أنييس لوفالوا، نائبة رئيس معهد البحوث حول المتوسط والشرق الأوسط، أن القدرات الصاروخية الإيرانية قد تكون أُضعفت، مما يحد من قدرتها على الصمود طويلاً أمام ترسانة أمريكية-إسرائيلية متطورة.
أما إقليمياً، فإن التداعيات قد تكون كارثية. فالحديث عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي، واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج، يعني تدويل الأزمة بشكل فوري. ويرى التقرير أن الردود الإيرانية قد تتسم بجرأة أكبر وتوسع في النطاق، مما يهدد استقرار الشرق الأوسط برمته ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب.


