
تُعد مقبرة «بقيع الغرقد» المعلم التاريخي والإسلامي الأبرز في المدينة المنورة بعد المسجد النبوي الشريف، حيث تمثل ذاكرة حية للتاريخ الإسلامي الأول. تقع المقبرة في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد النبوي، وتكتسب قدسيتها من كونها تضم رفات الآلاف من الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين وآل بيت النبوة، مما يجعلها مقصداً لملايين المسلمين الذين يتوافدون لزيارتها والدعاء لأهلها اقتداءً بسنة النبي الكريم.
تاريخ البقيع وأصل التسمية
يعود أصل تسمية «بقيع الغرقد» إلى نبات الغرقد (شجر العوسج) الذي كان يغطي تلك المنطقة قبل أن يتخذها المسلمون مقبرة لهم. وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقع ليكون مدفناً للمسلمين بعد الهجرة، وكان الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه أول من دُفن فيها من المهاجرين، ثم تبعه إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى مر العصور، تحول هذا المكان من مجرد مساحة خضراء مليئة بالأشجار إلى روضة تضم أجساداً طاهرة ساهمت في بناء صرح الإسلام.
من يضم ثرى البقيع؟
يضم ثرى البقيع رُفات أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، باستثناء السيدة خديجة بنت خويلد التي دُفنت في مكة (الحجون)، والسيدة ميمونة بنت الحارث التي دُفنت في سَرف. كما يحتضن البقيع جسد السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وعم النبي العباس بن عبدالمطلب، وعمته صفية، وحفيده الحسن بن علي، والخليفة الراشد عثمان بن عفان (ذي النورين)، إضافة إلى الآلاف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة الذين عاشوا في المدينة أو وافتهم المنية فيها.
التوسعة السعودية والاهتمام الحديث
شهدت مقبرة البقيع اهتماماً بالغاً في العهد السعودي، حيث جرت توسعتها لتتناسب مع الزيادة المضطردة في أعداد المسلمين. تبلغ مساحة المقبرة حالياً أكثر من 180 ألف متر مربع، وقد أحيطت بسور مرتفع مكسو بالرخام للحفاظ على حرمتها. تم تقسيم المقبرة تنظيمياً إلى 42 مربعاً؛ حيث يضم المربع الأكبر قرابة 2500 قبر، بينما يضم الأصغر 60 قبراً، مع وجود ممرات مخصصة للزوار لتسهيل الحركة والدعاء.
فضل الزيارة والدعاء
وردت أحاديث صحيحة تؤكد فضل زيارة البقيع والاستغفار لأهله، فقد كان النبي ﷺ يخرج في جوف الليل ليدعو لهم قائلاً: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». وهذا التوجيه النبوي جعل من زيارة البقيع سُنة مؤكدة يحرص عليها الحجاج والمعتمرون، راجين من الله الرحمة لمن سبقهم بالإيمان، وطامعين في أن يضمهم هذا الثرى الطاهر يوماً ما بجوار المصطفى وصحبه.


