في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة في الشرق الأوسط، يظل السؤال المحوري الذي يشغل بال المراقبين وصناع القرار هو: ماذا تريد واشنطن حقاً من طهران؟ وبينما يسود اعتقاد لدى قطاع واسع من الجمهور بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (في سياق سياساته المعروفة) يهدف إلى «تغيير النظام» في إيران بشكل جذري، كشف تقرير لموقع «بوليتيكو» الأمريكي عن رؤية مغايرة تعتمد على «تغيير السلوك» بدلاً من إسقاط الهيكل السياسي بالكامل.
السياق التاريخي: من الاتفاق النووي إلى الضغوط القصوى
لفهم هذه الاستراتيجية، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (JCPOA) في عام 2018، تبنت واشنطن حملة «الضغوط القصوى». هذه السياسة لم تكن تهدف بالضرورة إلى تكرار سيناريو غزو العراق عام 2003، بل كانت تسعى لخنق الاقتصاد الإيراني لإجبار القيادة في طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة. التاريخ يخبرنا أن واشنطن أدركت التكلفة الباهظة لسياسات «بناء الدولة» التي انتُهجت في أفغانستان والعراق، وهو ما يفسر عزوف الإدارات الأمريكية المتعاقبة مؤخراً عن التورط في حروب تغيير أنظمة شاملة.
مفهوم «تغيير السلوك» في العقيدة الأمريكية
وفقاً لتقرير «بوليتيكو»، فإن الأولوية القصوى للرئيس ترامب فيما يتعلق بالدول المناوئة مثل إيران وفنزويلا وكوبا، تتمثل في ضمان وجود سلطة تتعامل بما يتوافق مع المصالح الأمريكية. ونقل التقرير عن مسؤول أمريكي توضيحه بأن مفهومهم لتغيير النظام هو في الحقيقة «تغيير السلوك»، مستفيدين من الدروس القاسية في المنطقة. هذا يعني بقاء الهيكل العام للنظام قائماً، مع إجبار قادته على تبني سياسات خارجية لا تتعارض مع الأمن القومي الأمريكي.
وفي هذا السياق، يرى علي واعظ، كبير محللي الشؤون الإيرانية في «مجموعة الأزمات الدولية»، أن مصطلح «تحويل النظام» هو الأدق لوصف ما يفعله ترامب. فالهيكل يبقى، لكن السلوك يتغير ليتماشى مع المصالح الأمريكية، وليس بالضرورة مع القيم الديمقراطية الأمريكية.
التأثير الإقليمي وقائمة المطالب
تتجاوز هذه الاستراتيجية الحدود الإيرانية لتشمل تأثيراً مباشراً على الملفات الإقليمية الساخنة. تشترط واشنطن على طهران التخلي عن ثلاثة ركائز أساسية تعتبرها تهديداً:
- البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم.
- برنامج الصواريخ الباليستية المثير للقلق الدولي.
- الدعم المالي والعسكري للحلفاء والوكلاء في المنطقة (مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن).
إن تحقيق هذه المطالب يعني عملياً تحييد النفوذ الإيراني الإقليمي، وهو ما تعتبره واشنطن انتصاراً استراتيجياً يغنيها عن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة قد تؤدي إلى فوضى عارمة.
مخاطر السيناريو العسكري
لا تغفل التحليلات المخاطر الكامنة في حال فشل الضغوط الاقتصادية واللجوء للحل العسكري. تحذر التقارير من أن أي تدخل عسكري غير محسوب قد يؤدي إلى ظهور «دولة فاشلة» في إيران، تتحول أراضيها إلى ملاذ للجماعات المتطرفة، أو قد يؤدي إلى سيطرة المؤسسة العسكرية (الحرس الثوري) على السلطة بالكامل، مما يفرض نوعاً جديداً من الاستبداد قد يكون أكثر تشدداً.
في المحصلة، يبدو أن الرهان الأمريكي ينصب على أن الضغط الاقتصادي والسياسي قد يدفع قادة إيران -ومن ينجو من قادة الأنظمة المماثلة- إلى تعديل سلوكهم بما يكفي لإرضاء واشنطن، وتجنب سيناريوهات الانهيار الشامل، مع احتمالية تقديم تنازلات داخلية تمنح شعوبهم هامشاً أكبر من الحرية.


