في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تتجه الأنظار عالمياً صوب السيناريوهات العسكرية المحتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع ذلك، فإن الجانب العسكري ليس هو البعد الوحيد لهذه المواجهة؛ إذ تبرز «الفاتورة الاقتصادية» كأحد أخطر التحديات التي تواجه صناع القرار في واشنطن. تشير التقديرات الحديثة إلى أن تكلفة يوم واحد من العمليات العسكرية الشاملة قد تفتح «ثقباً أسود» في ميزانية الدفاع الأمريكية، متجاوزة حاجز المليار دولار يومياً.
السياق الاستراتيجي: لماذا التكلفة باهظة جداً؟
تختلف المواجهة مع إيران جوهرياً عن حروب الولايات المتحدة السابقة في العراق أو أفغانستان. فإيران تمتلك ترسانة صاروخية متطورة وشبكة واسعة من الطائرات المسيّرة، مما يفرض على الولايات المتحدة استخدام أحدث تقنياتها الدفاعية والهجومية. هذا التحول من حروب الاستنزاف التقليدية إلى حروب التكنولوجيا الفائقة يعني استهلاكاً هائلاً للموارد المالية في أوقات قياسية. الاعتماد على قاذفات الشبح الاستراتيجية وأنظمة الدفاع الجوي المعقدة يرفع تكلفة الساعة الواحدة من القتال إلى أرقام فلكية.
فاتورة اليوم الأول: 779 مليون دولار في 24 ساعة
وفقاً لبيانات نقلتها وكالة «الأناضول» وتقارير صحفية أمريكية، فإن الـ 24 ساعة الأولى فقط من أي هجوم واسع النطاق قد تكلف الخزانة الأمريكية نحو 779 مليون دولار. هذا الرقم يعادل تقريباً 0.1% من إجمالي ميزانية الدفاع المتوقعة لعام 2026. وتعود هذه التكلفة الضخمة إلى نشر أصول عسكرية باهظة الثمن، تشمل:
- القوة الجوية الضاربة: استخدام قاذفات B-2 الشبحية، ومقاتلات السيادة الجوية F-22 وF-35.
- الحرب الإلكترونية: نشر طائرات EA-18G للتشويش على الرادارات.
- الدفاع الصاروخي: استهلاك صواريخ اعتراضية من منظومات «باتريوت» و«ثاد».
على سبيل المثال، رحلة واحدة لقاذفة B-2 من قاعدة «وايتمان» في ميزوري لضرب أهداف دقيقة تكلف مئات الآلاف من الدولارات كتشغيل فقط، دون احتساب ثمن القنابل الموجهة من طراز JDAM.
معضلة التكلفة غير المتكافئة: المسيّرات مقابل الصواريخ
أحد أبرز التحديات الاقتصادية في هذه الحرب هو «عدم التكافؤ في التكلفة». فبينما تعتمد إيران وحلفاؤها على طائرات مسيّرة انتحارية منخفضة التكلفة (حوالي 35 ألف دولار للطائرة)، تضطر الولايات المتحدة لاستخدام صواريخ اعتراضية متطورة قد يصل سعر الواحد منها إلى ملايين الدولارات. تشير تحليلات «بلومبيرغ» إلى أن التصدي لهجوم واسع بـ 1250 مسيّرة قد يكلف الدفاعات الأمريكية عشرات الملايين في ساعات معدودة، وهو ما يمثل استنزافاً مالياً مستمراً.
العمليات البحرية: مدن عائمة تستنزف الملايين
لا يمكن إغفال التكلفة التشغيلية للأساطيل البحرية. إن تحريك حاملتي طائرات إلى منطقة العمليات يكلف دافع الضرائب الأمريكي نحو 13 مليون دولار يومياً. وتُظهر البيانات أن تشغيل حاملة الطائرات الأحدث «يو إس إس جيرالد فورد» وحدها يستنزف حوالي 11.4 مليون دولار كل يوم أثناء انتشارها القتالي، مما يضيف عبئاً ثقيلاً على الفاتورة الإجمالية.
التأثيرات طويلة المدى: هل يتكرر سيناريو التريليونات؟
يحذر الخبراء الاقتصاديون والعسكريون، مثل ليندسي كوشغاريان من معهد الدراسات السياسية، من أن التقديرات الأولية غالباً ما تكون «رأس جبل الجليد». فالتكلفة النهائية للحروب تميل للتضخم بشكل كبير مع مرور الوقت، كما حدث في حرب العراق التي تجاوزت تكلفتها 3 تريليونات دولار. وفي حالة استمرار الحرب مع إيران لشهرين فقط، تشير تقديرات جامعة بنسلفانيا إلى أن التكلفة قد تتراوح بين 40 إلى 95 مليار دولار، اعتماداً على كثافة العمليات واحتمالية التدخل البري.
ورغم هذه الأرقام المفزعة، يجادل بعض المحللين في واشنطن بأن هذه التكلفة المالية، مهما عظمت، قد تكون «أهون الشرين» مقارنة بالتكلفة الاستراتيجية للسماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وهو السيناريو الذي قد يغير موازين القوى العالمية ويفرض تكاليف أمنية واقتصادية لا حصر لها في المستقبل.


