تصريحات وحيد الغامدي حول واقع المحتوى الرقمي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي والثقافي، برزت تصريحات الكاتب والمفكر السعودي وحيد الغامدي التي تحمل دلالات عميقة حول واقع المحتوى الرقمي اليوم. بعبارته الشهيرة “لي من اسمي نصيب.. مسوّقو الغثاء أصبحوا واقعاً”، يسلط الغامدي الضوء على حالة الاغتراب الفكري التي يعيشها المثقف في عصر تتصدر فيه التفاهة. يشير اسمه “وحيد” إلى التفرد أو العزلة الفكرية وسط أمواج متلاطمة من المحتوى السطحي الذي يجتاح منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الصوت العقلاني غريباً وسط ضجيج المؤثرين.
السياق التاريخي لتحولات الإعلام وبروز “مسوقي الغثاء”
تاريخياً، كان الإعلام التقليدي من صحافة وتلفزيون وإذاعة يخضع لمعايير تحريرية صارمة، حيث كان المحتوى يمر عبر بوابات تقييم تضمن حداً أدنى من الجودة والفائدة للمتلقي. ومع بزوغ فجر الإنترنت وثورة منصات التواصل الاجتماعي، تحول المتلقي إلى صانع محتوى. ورغم إيجابيات هذه الديمقراطية المعرفية وحرية التعبير، إلا أنها أفرزت ظاهرة تُعرف بـ “اقتصاد الانتباه” (Attention Economy). في هذا النظام الاقتصادي الجديد، أصبحت المشاهدات والنقرات هي العملة الأهم، مما دفع الكثيرين إلى إنتاج محتوى مثير للجدل أو سطحي لجذب أكبر عدد ممكن من الجماهير، وهو ما يصفه الغامدي بدقة بـ “الغثاء”.
التأثير المحلي والإقليمي لانتشار المحتوى السطحي
على المستوى المحلي والإقليمي في العالم العربي، يمثل انتشار مسوقي التفاهة تحدياً كبيراً للنسيج الثقافي والاجتماعي. فالأجيال الشابة، التي تقضي ساعات طويلة يومياً على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، تتشرب قيماً استهلاكية وسطحية. هذا الواقع يؤدي إلى تهميش المحتوى الجاد والهادف، ويخلق نماذج قدوة تعتمد على الاستعراض بدلاً من الكفاءة أو العلم. إن تحذير وحيد الغامدي ينبع من إدراك حقيقي لخطورة هذا التحول على الهوية الثقافية والوعي المجتمعي، حيث يصبح “الغثاء” هو السائد والمألوف، وتتراجع قيم القراءة والتفكير النقدي.
الأبعاد الدولية لظاهرة تسويق التفاهة
لا تقتصر هذه الظاهرة على العالم العربي فحسب، بل هي أزمة عالمية تناولها العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين، مثل الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه الشهير “نظام التفاهة”. الخوارزميات التي تدير شبكات التواصل الاجتماعي عالمياً مصممة لتعزيز المحتوى الذي يثير المشاعر السريعة والانفعالات، بغض النظر عن قيمته المعرفية أو الأخلاقية. هذا جعل “مسوقي الغثاء” واقعاً دولياً مفروضاً، يؤثر على القرارات السياسية، والتوجهات الاقتصادية، وحتى على الصحة النفسية للمستخدمين حول العالم.
دور المثقف والمجتمع في مواجهة هذا الواقع
في خضم هذا الواقع المعقد، تبرز أهمية أصوات المثقفين أمثال وحيد الغامدي. إن الشعور بالوحدة الفكرية يجب ألا يكون دافعاً للانسحاب، بل حافزاً لتعزيز “التربية الإعلامية” (Media Literacy) لدى الأفراد. يتطلب الأمر تضافر الجهود بين المؤسسات التعليمية والثقافية لخلق وعي نقدي يمكن المتلقي من الفرز بين المحتوى القيم والغثاء. كما يقع على عاتق صناع المحتوى الهادف مسؤولية ابتكار قوالب جذابة تواكب لغة العصر دون التنازل عن الرصانة، لإعادة التوازن إلى المشهد الرقمي وحماية الأجيال القادمة.


