spot_img

ذات صلة

تداعيات استهداف دول الخليج وموقف المملكة من التصعيد

سياسة حسن الجوار مقابل نهج التصعيد

تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، سياسة خارجية راسخة تقوم على مبادئ حسن الجوار، واحترام السيادة، وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وتهدف هذه السياسة إلى تأمين الاستقرار الإقليمي وضمان رفاهية شعوب المنطقة. في المقابل، تستمر بعض الأنظمة الإقليمية، وتحديداً النظام الإيراني، في تجاهل هذه المبادئ والأعراف الدبلوماسية والإسلامية، مفضلةً تبني نهج التصعيد والأذى العلني، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها وأذرعها المسلحة في المنطقة.

السياق التاريخي واستراتيجية حروب الوكالة

تاريخياً، ومنذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، شهدت العلاقات الخليجية الإيرانية توترات متقطعة بسبب محاولات تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول العربية. وقد دفع هذا التهديد دول الخليج لتأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 كمنظومة تهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي والتكامل الاقتصادي. ورغم المبادرات الخليجية المستمرة للسلام، اعتمدت طهران على استراتيجية “الحرب بالوكالة” عبر تمويل وتسليح ميليشيات طائفية لزعزعة استقرار دول الجوار، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

تناقض الشعارات الدينية واستهداف المدنيين

وعلى الرغم من الشعارات الدينية التي يرفعها النظام في طهران، إلا أن الممارسات على أرض الواقع تتناقض تماماً مع هذه الادعاءات. ففي الوقت الذي يستعد فيه ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج، وخلال الأشهر الحرم وشهر رمضان المبارك، لم تتورع هذه الميليشيات عن ترويع الآمنين واستهداف الأعيان المدنية. وقد سجل التاريخ الحديث حوادث متكررة لاستهداف مطارات مدنية ومجمعات تجارية ومنشآت حيوية في المملكة، مما يكشف زيف السردية الإيرانية التي تدعي حماية مقدسات المسلمين، بينما تقوم فعلياً بتهديد أرواحهم وممتلكاتهم.

الأبعاد الدولية والتأثير على أمن الطاقة

يحاول النظام الإيراني تبرير هجماته العبثية باختلاق ذرائع واهية، مثل الادعاء بوجود قواعد عسكرية أجنبية تشكل تهديداً له. إلا أن استهداف المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الهجمات التخريبية التي طالت منشآت الطاقة العالمية في بقيق وخريص عام 2019، يثبت أن الهدف الحقيقي هو ضرب عصب الاقتصاد العالمي وزعزعة أمن الطاقة الدولي. إن أمن منطقة الخليج العربي ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر مضيق هرمز ومياه الخليج نسبة كبيرة من إمدادات النفط والتجارة الدولية.

التباين التنموي ودوافع الاستهداف

لعل أحد الدوافع الخفية وراء هذا الاستهداف المستمر هو التباين الشاسع في مسارات التنمية. فبينما تسابق دول الخليج الزمن لتحقيق رؤى تنموية طموحة، مثل “رؤية السعودية 2030″، وتضخ استثماراتها في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية لتحسين جودة حياة مواطنيها، يعاني الداخل الإيراني من أزمات اقتصادية خانقة وتراجع في مستويات المعيشة بسبب العقوبات وتوجيه مقدرات الشعب لتمويل الميليشيات الخارجية. هذا التناقض التنموي يولد حالة من الحقد تجاه النجاحات الخليجية المتراكمة.

الموقف الخليجي الثابت نحو التهدئة

ورغم محاولات الاستفزاز المستمرة لجر المنطقة إلى أتون حرب شاملة، تظهر دول الخليج حكمة سياسية بالغة. فهي ترفض الانجرار وراء هذه المخططات العبثية، وتتمسك بخيار التهدئة والحلول الدبلوماسية، وهو ما تجلى في اتفاق بكين عام 2023 لاستئناف العلاقات الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن هذا الجنوح للسلام لا يعني التهاون في حماية الأمن القومي؛ فدول الخليج تمتلك القدرة والإرادة الكاملة للدفاع عن سيادتها ومقدراتها ضد أي محاولات للمساس بأمنها واستقرارها.

spot_imgspot_img