spot_img

ذات صلة

د. عبدالرحمن السويلم: رائد طب الأطفال والعمل الإسعافي

الدكتور عبدالرحمن السويلم

مقدمة عن مسيرة عطاء خالدة

فقدت المملكة العربية السعودية والقطاع الصحي واحداً من أبرز روادها، وهو الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم، الذي وضع بصماته الخالدة في عالم الطب السعودي. أسهم الدكتور السويلم بشكل جوهري في توطين مهنة الطب وتطوير منظومة العمل الإسعافي. وعقب مسيرة حافلة بالإنجازات والعمل الحكومي الدؤوب، غادر عالمنا تاركاً وراءه إرثاً إنسانياً وطبياً عظيماً، وسمعة عطرة تروي قصة كفاح ونجاح ملهمة للأجيال القادمة.

النشأة والرحلة العلمية: من قرى نجد إلى أعرق جامعات أوروبا

ولد الدكتور عبدالرحمن السويلم في إحدى قرى نجد خلال الثلاثينيات الميلادية، في فترة كانت تعيش فيها المملكة بدايات نهضتها التنموية. نشأ في بيئة محافظة تعتمد على الزراعة ورعي المواشي، وفي ظل ندرة الكوادر الطبية الوطنية آنذاك، تسلّح بشغف العلم وطموح الشباب ليلتحق بجامعة ميونخ في ألمانيا. تخرج منها عام 1966 حاملاً درجة البكالوريوس في الطب والجراحة. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل مسيرته الأكاديمية ليحصل على دبلوم طب الأطفال من العاصمة المصرية القاهرة، ثم توج مسيرته العلمية بالحصول على الزمالة في التخصص ذاته من جامعة أدنبرة العريقة في المملكة المتحدة، ليعود إلى وطنه محملاً بأحدث المعارف الطبية.

توطين الطب وتأسيس برامج الدراسات العليا

في سياق تاريخي كانت تعتمد فيه مستشفيات المملكة بشكل شبه كلي على الكفاءات الأجنبية، أدرك الدكتور السويلم أهمية بناء كادر طبي وطني مؤهل. ارتبط اسمه بتأسيس أول برنامج دراسات عليا في المملكة متخصص في طب الأطفال. هذا الإنجاز الاستراتيجي أثمر عن تخريج أكثر من 400 طبيب وطبيبة سعوديين، مما أحدث نقلة نوعية في الرعاية الصحية المقدمة للأطفال، وساهم في بناء قاعدة صلبة من الكفاءات الوطنية التي تولت زمام الأمور في المستشفيات السعودية.

قيادة القطاع الصحي وتطوير الخدمات الإسعافية

تدرج الدكتور السويلم في العديد من المناصب القيادية التي أثبت من خلالها كفاءة إدارية عالية. بدأ مسيرته القيادية مديراً عاماً للشؤون الصحية في المنطقة الشرقية، ثم رئيساً للهيئة الطبية العامة في الرياض، وصولاً إلى تعيينه وكيلاً لوزارة الصحة للشؤون التنفيذية. ولعل من أبرز محطاته توليه رئاسة جمعية الهلال الأحمر السعودي، حيث قاد ثورة حقيقية في تطوير منظومة الإسعاف والخدمات الطارئة. عمل على تحديث أسطول سيارات الإسعاف، وتدريب المسعفين وفق أعلى المعايير الدولية، مما رفع من سرعة الاستجابة للحالات الطارئة وأنقذ آلاف الأرواح.

الأثر الإنساني والإغاثي على المستويين الإقليمي والدولي

لم يقتصر تأثير الدكتور عبدالرحمن السويلم على الشأن المحلي، بل امتد ليشمل البعدين الإقليمي والدولي. من خلال قيادته للهلال الأحمر السعودي، أشرف على العديد من الحملات الإغاثية الخارجية التي وجهت بها حكومة المملكة لمساعدة المتضررين من الكوارث والحروب في مختلف دول العالم. هذا الدور المحوري عزز من مكانة المملكة العربية السعودية كدولة رائدة في مجال العمل الإنساني العالمي، ورسخ مفهوم الدبلوماسية الإنسانية التي تنتهجها المملكة.

العمل الخيري والاجتماعي ومجلس الشورى

إلى جانب مسؤولياته الحكومية، كان للدكتور السويلم حضور بارز في القطاع الثالث والعمل التطوعي. ترأس مجلس إدارة الجمعية الخيرية الصحية لرعاية المرضى (عناية)، ومجلس إدارة جمعية طب الأطفال. كما عمل نائباً لرئيس جمعية الأطفال المعوقين والجمعية السعودية للتوحد، مما يعكس إيمانه العميق بحق الفئات الأقل حظاً في الحصول على رعاية صحية متكاملة. واختتم مسيرته الحكومية عضواً في مجلس الشورى، حيث واصل عطاءه في سن التشريعات وتطوير السياسات الصحية والاجتماعية في المملكة.

خاتمة

يعد الدكتور عبدالرحمن السويلم قامة وطنية استثنائية، جمع بين العلم والعمل، والإدارة والإنسانية. إن مسيرته تظل نبراساً يضيء طريق الأطباء الشباب، وتؤكد أن الاستثمار في الكوادر الوطنية هو الركيزة الأساسية لنهضة الأوطان وتطورها في شتى المجالات.

spot_imgspot_img