تباين المواقف بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين
شهدت الساحة السياسية الدولية تبايناً واضحاً في مواقف حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية حول مدى استعدادهم للمشاركة في إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز لتأمينه. وتأتي هذه التطورات في ظل مساعي الإدارة الأمريكية لتعزيز التواجد العسكري في الممرات المائية الحساسة، وهو ما قوبل بتحفظ ورفض من قبل قادة ومسؤولين بارزين في الاتحاد الأوروبي، الذين يفضلون النأي بالنفس عن أي تصعيد عسكري محتمل في المنطقة.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز والخلفية التاريخية
يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب. وتكمن أهميته البالغة في كونه الشريان الرئيسي لتدفقات الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% إلى 30% من إجمالي الاستهلاك العالمي للنفط. تاريخياً، شهد المضيق توترات عديدة، بدءاً من “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية في عام 2019. هذه الحوادث دفعت الولايات المتحدة حينها لتشكيل تحالفات بحرية، في حين فضلت الدول الأوروبية إطلاق مهام مستقلة مثل مهمة “أجينور” لضمان حرية الملاحة دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية.
الموقف الأوروبي: رفض توسيع العمليات وتجنب التصعيد
في سياق الردود الأوروبية الحالية، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن وزراء خارجية الاتحاد أبدوا رغبة واضحة في تعزيز المهمة البحرية في الشرق الأوسط، ولكن دون أن تشمل مضيق هرمز. وأوضحت كالاس للصحفيين في بروكسل أنه لا توجد رغبة حالية في تغيير نطاق عملية “أسبيدس” البحرية. من جانبه، اتخذ المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً، مؤكداً أن ألمانيا لن تشارك في ما وصفه بـ”الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”. وشدد ميرتس على غياب التفويض القانوني من الأمم المتحدة أو حلف الناتو، مشيراً إلى عدم استشارة برلين قبل بدء هذه التحركات، مما ينفي أي احتمالية لمشاركة ألمانية عسكرية. وفي هولندا، صرح رئيس الوزراء روب جيتن بأن بلاده منفتحة على دراسة أي طلب لحماية التدفقات التجارية، لكنه استدرك بأن مستوى التهديدات الحالي يجعل تقديم المساعدة أمراً مستحيلاً في الوقت الراهن، مؤكداً عدم تلقي طلب رسمي وواضح حتى الآن.
التحركات الأمريكية ومساعي ترمب لحشد الدعم
على الجانب الأمريكي، نقلت شبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة أن مسؤولين أمريكيين كثفوا جهودهم خلال عطلة نهاية الأسبوع لحشد الدعم الدولي خلف مطالب الرئيس دونالد ترمب بتأمين مضيق هرمز. وتأمل الإدارة الأمريكية في الإعلان عن تحالف بحري جديد خلال الأيام القليلة القادمة. وفي تصعيد خطابي، صرح الرئيس ترمب بأنه سيعلن قريباً عن قائمة بأسماء الدول المشاركة في هذا التحالف، موجهاً في الوقت ذاته انتقادات لاذعة للدول التي ترفض الانضمام والمساهمة في تأمين هذا الممر الحيوي.
التأثيرات المتوقعة للحدث إقليمياً ودولياً
يحمل هذا التباين في المواقف تداعيات هامة على عدة أصعدة. فعلى المستوى الدولي، يُبرز هذا الخلاف فجوة متزايدة بين الاستراتيجية الأمريكية والمقاربة الأوروبية تجاه أمن الشرق الأوسط والتعامل مع إيران. أما اقتصادياً، فإن أي تصعيد للتوترات في مضيق هرمز أو غياب التوافق على آلية لتأمينه قد يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط العالمية، مما يؤثر على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي العالمي. وإقليمياً، قد يؤدي هذا الانقسام إلى إعادة حسابات الدول المطلة على الخليج، ودفعها للبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية أو تنويع شراكاتها الاستراتيجية لضمان استقرار صادراتها النفطية بعيداً عن التجاذبات الغربية.


