كشفت تقارير صحفية وتصريحات لمسؤولين روس عن توقف مؤقت في مسار محادثات سلام أوكرانيا، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً التصعيد الأخير الذي يشمل إسرائيل وإيران. ونقلت صحيفة «إزفيستيا» الروسية عن مسؤولين تأكيدهم أن الكرملين يرى في هذا التوقف المؤقت فرصة قد تدفع كييف نحو القبول بتسوية سياسية، خاصة مع انشغال الإدارة الأمريكية بملفات دولية أخرى. وأوضح المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، أن المبعوث الرئاسي الروسي سيواصل عمله في مجالات الاستثمار والتعاون الاقتصادي، بينما تبقى المحادثات الثلاثية معلقة في الوقت الراهن.
جذور الصراع ومسار محادثات سلام أوكرانيا
منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية في أواخر فبراير 2022، شهد العالم محاولات دبلوماسية متعددة لإنهاء الصراع. بدأت أولى جولات التفاوض في بيلاروسيا، تلتها مفاوضات بوساطة تركية في إسطنبول خلال العام الأول من الحرب. ورغم عقد جلسات أخرى بوساطة دولية في مدن مثل أبوظبي وجنيف، إلا أن الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة. تتمسك موسكو بمطالبها المتمثلة في اعتراف كييف بالواقع الإقليمي الجديد، بما في ذلك السيطرة الروسية على منطقة دونيتسك الشرقية بأكملها. في المقابل، ترفض أوكرانيا بشدة التنازل عن أي جزء من أراضيها، وتطالب بانسحاب كامل للقوات الروسية كشرط أساسي لأي اتفاق سلام شامل.
الدور الأوروبي في دعم كييف وتحديات التمويل
في خضم هذه التطورات، يبرز القلق الأوروبي من تحمل القارة العبء الأكبر للصراع. وفي هذا السياق، أشار مسؤولون بلجيكيون إلى أن أوروبا تجد نفسها وحيدة في تمويل المجهود الحربي الأوكراني، معتبرين أنه من غير المنطقي أن تتحمل القارة العجوز تكلفة الحرب دون أن يكون للاتحاد الأوروبي مقعد رئيسي على طاولة المفاوضات. ولتعزيز الموقف الأوروبي، تتزايد الدعوات لزيادة الضغط الاقتصادي والسياسي على روسيا. ويشمل ذلك محاولات تذليل العقبات الداخلية في الاتحاد الأوروبي، مثل مطالبة المجر برفع حق النقض (الفيتو) عن حزمة مساعدات مالية ضخمة لكييف تقدر بنحو 90 مليار يورو، بالإضافة إلى الدفع نحو إقرار حزم عقوبات جديدة ضد موسكو. ورغم الإقرار بأن تطبيع العلاقات مع روسيا سيكون عملية طويلة الأمد تبدأ بعد إبرام اتفاقية سلام، إلا أن الدعم الأوروبي للعقوبات الحالية يبقى ثابتاً.
تأثير أزمات الشرق الأوسط على محادثات سلام أوكرانيا
لا يمكن عزل محادثات سلام أوكرانيا عن المشهد العالمي الأوسع. فقد أدى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط إلى تشتيت انتباه المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، بعيداً عن الساحة الأوكرانية. هذا التحول في التركيز الاستراتيجي يصب في مصلحة موسكو لعدة أسباب؛ أبرزها التأثير المباشر على أسواق الطاقة. فمع كل تصعيد إقليمي، تشهد أسعار النفط والغاز ارتفاعاً ملحوظاً، وهو ما يعزز من الإيرادات الاقتصادية لروسيا باعتبارها من كبار المنتجين والمصدرين العالميين للطاقة.
علاوة على ذلك، تشير التقييمات الاستخباراتية إلى أن روسيا تمكنت من الحفاظ على تفوقها التكتيكي في حرب الاستنزاف الدائرة. ومع استمرار تعليق المفاوضات، يبدو أن استراتيجية موسكو تعتمد على إطالة أمد النزاع لإضعاف القدرات العسكرية لكييف والنيل من إرادتها في المقاومة، خاصة إذا تراجعت وتيرة الدعم العسكري الغربي نتيجة لتعدد الجبهات والأزمات العالمية التي تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً.


