في ظل التصعيد العسكري المستمر والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، حذرت وكالة «بلومبيرغ» من أن العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الموجهة ضد إيران قد تدفع العالم بأسره نحو الدخول في جولة جديدة وخطيرة من سباق التسلح النووي. هذا التحذير يأتي في وقت يشهد فيه النظام العالمي تغيرات جذرية تدفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والدفاعية خوفاً من اتساع رقعة الصراع.
جذور الصراع وتاريخ معاهدات الحد من الانتشار
لفهم خطورة الموقف الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأسلحة غير التقليدية. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، شهد العالم تنافساً شرساً لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، مما أدى إلى صياغة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عام 1968. هذه المعاهدة شكلت حجر الزاوية للأمن الدولي لعقود طويلة. ومع ذلك، فإن التوترات الحالية في الشرق الأوسط تهدد بتقويض هذا الإرث التاريخي، حيث باتت النقاشات حول امتلاك قدرات ردع نووية تطفو على السطح بشكل علني وغير مسبوق، متجاوزة الخطوط الحمراء التي رسمها المجتمع الدولي.
تحولات استراتيجية في المظلة الأمنية الأوروبية
وفقاً للتقارير، بدأت حكومات تمتد من شمال المحيط الأطلسي إلى غرب المحيط الهادئ تناقش بشكل متزايد وعلني الحاجة الماسة إلى امتلاك ترساناتها النووية الخاصة. وفي تحول لافت، شرعت بعض الدول الأوروبية التي كانت تكتفي سابقاً بالاعتماد الكامل على المظلة النووية الأمريكية، وخاصة بولندا وألمانيا، في الترحيب بنية فرنسا توسيع مظلتها النووية لتشمل القارة الأوروبية بأكملها، مما يعكس حالة من القلق العميق تجاه الضمانات الأمنية التقليدية في ظل المتغيرات الراهنة.
تحذيرات الوكالة الدولية من عودة سباق التسلح النووي
لفتت الوكالة إلى مفارقة تاريخية، وهي أن الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت الأسلحة النووية ضد المدنيين، تدرس حالياً إمكانية استئناف التجارب النووية. من جانبه، أطلق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكداً أن احتمال امتلاك أسلحة الدمار الشامل يُناقش علناً حتى في الدول التي تعهدت سابقاً بعدم امتلاكها مطلقاً. وشدد غروسي على أن انتشار المزيد من الأسلحة في المزيد من الدول لن يجعل العالم مكاناً أكثر أماناً، بل على العكس تماماً، داعياً إلى التمسك الصارم بمعايير عدم الانتشار التي خدمت البشرية على مدى نصف القرن الماضي.
التداعيات الإقليمية والدولية وتوسع الترسانة الصينية
إن تأثير هذا التحول يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليخلق تداعيات دولية واسعة النطاق. فإقليمياً، قد يؤدي أي تغيير في التوازن النووي إلى دفع دول أخرى في المنطقة للبحث عن خيارات مماثلة لحماية أمنها القومي، مما يخلق تأثير الدومينو. ودولياً، يعقد هذا المشهد جهود نزع السلاح. وفي هذا السياق، سلطت مسودة تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الضوء على طموحات الصين العسكرية المتزايدة. وكشفت الوثيقة أن بكين حمّلت على الأرجح ما يربو على 100 صاروخ باليستي عابر للقارات في أحدث ثلاثة مواقع إطلاق أنشأتها.
ورغم أن الصين تؤكد التزامها باستراتيجية دفاعية وتنتهج سياسة «عدم المبادرة» باستخدام الأسلحة النووية، إلا أنها لا تبدي رغبة في إجراء محادثات للحد من التسلح. وفي حين سبق أن أبدى الرئيس الأمريكي رغبته في استئناف التجارب، أشار أيضاً إلى إمكانية العمل على خطة لنزع السلاح مع روسيا والصين، غير أن تقارير البنتاغون تشير إلى أن بكين لا تبدو مهتمة بهذا المسار في الوقت الراهن، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني العالمي ويُنذر بمرحلة محفوفة بالمخاطر.


