أعلنت بعثة الأمم المتحدة في الحديدة (أونمها) رسمياً عن إنهاء عملياتها ونقل كافة مهماتها المتبقية إلى مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2813، لتطوي بذلك صفحة هامة من التدخلات الأممية المباشرة في الساحل الغربي لليمن، وتؤسس لمرحلة جديدة من الجهود الدبلوماسية الرامية لتحقيق السلام الشامل في البلاد.
جذور الصراع وتأسيس بعثة الأمم المتحدة في الحديدة
لفهم أبعاد هذا القرار، يجب العودة إلى السياق التاريخي الذي أدى إلى تشكيل بعثة الأمم المتحدة في الحديدة. في أواخر عام 2018، واجه اليمن أزمة إنسانية غير مسبوقة دفعت المجتمع الدولي للتدخل العاجل، مما أسفر عن توقيع اتفاق ستوكهولم بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين. وبناءً على مخرجات هذا الاتفاق، تبنى مجلس الأمن القرار رقم 2452 لعام 2019، والذي أقر رسمياً تأسيس البعثة الأممية لدعم اتفاق الحديدة.
كانت المهام الأساسية للبعثة تتمحور حول الإشراف المباشر على وقف إطلاق النار في المحافظة الاستراتيجية، وضمان انسحاب جميع القوات العسكرية من مدينة الحديدة وموانئها الثلاثة الحيوية (الحديدة، الصليف، ورأس عيسى)، تمهيداً لتسليم إدارتها لقوات الأمن المحلية. ورغم الآمال الكبيرة التي عُلقت على هذه البعثة لتجنيب المدينة ويلات الحرب وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، إلا أن التعقيدات الميدانية والسياسية حالت دون تحقيق انسحاب كامل للقوات على الأرض. وبمرور الوقت، تقلص الدور الفعلي للبعثة ليقتصر بشكل كبير على المراقبة المحدودة وإصدار نشرات وتقارير شهرية توثق أعداد الضحايا المدنيين جراء الألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحرب.
ترتيبات المرحلة الانتقالية وتسليم الملفات
في إطار التحضير لإنهاء المهام، عقد فريق مشترك يضم ممثلين عن البعثة ومكتب المبعوث الأممي، برئاسة ماري ياماشيتا، القائمة بأعمال رئيس البعثة، مشاورات مكثفة عبر الاتصال المرئي مع وفد الحكومة اليمنية في لجنة تنسيق إعادة الانتشار. ركزت هذه النقاشات، التي جرت أواخر شهر مارس، على تقييم الإنجازات المشتركة التي حققتها لجنة تنسيق إعادة الانتشار خلال السنوات الماضية، ومراجعة المهام المتبقية.
وأوضح البيان الرسمي الصادر عن البعثة أن هذه المشاورات هدفت إلى ضمان انتقال سلس ومنظم للمسؤوليات إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. وبموجب هذا الترتيب، تنهي البعثة عملياتها الميدانية والإدارية بشكل كامل بحلول 31 مارس، لتصبح كافة الملفات المتعلقة بالحديدة تحت الإشراف المباشر لغروندبرغ.
التداعيات المتوقعة على مسار السلام اليمني
يحمل قرار دمج مهام البعثة ضمن مكتب المبعوث الأممي دلالات سياسية هامة وتأثيرات متوقعة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة لتوحيد المسار التفاوضي اليمني تحت مظلة واحدة، بدلاً من تشتيت الجهود في اتفاقيات محلية مجزأة لم تحقق نجاحاً ملموساً على المدى الطويل. توحيد الجهود قد يمنح المبعوث الأممي مرونة أكبر في ربط ملف الحديدة بالملفات السياسية والاقتصادية الأخرى ضمن خارطة طريق شاملة.
إقليمياً ودولياً، يعكس هذا التحول تغييراً في استراتيجية مجلس الأمن الدولي تجاه الأزمة اليمنية، حيث بات التركيز ينصب على الحل السياسي الشامل بدلاً من الحلول الترقيعية. وقد أكدت الأمم المتحدة، عبر مكتب المبعوث الخاص، التزامها الراسخ بمواصلة دعم تنفيذ المبادئ الأساسية لاتفاق الحديدة، مشددة على أهمية استمرار التواصل الفعال والتعاون البناء مع كافة الأطراف المعنية لدعم الاستقرار في محافظة الحديدة وعموم اليمن، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة البحر الأحمر والتي تتطلب مقاربة أممية أكثر شمولية وتماسكاً.


