يعيش الشارع اللبناني حالة من الترقب الحذر، حيث تتجه الأنظار نحو التحركات الدبلوماسية الجارية بشأن المفاوضات مع إسرائيل. وفيما يخيم الهدوء المشوب بالتوتر على الضاحية الجنوبية لبيروت، تواصل القوات الإسرائيلية قصفها المكثف على بلدات جنوب لبنان، وذلك عقب سلسلة من التهديدات باستهداف المزيد من الأحياء السكنية. وتنتظر الأوساط السياسية في بيروت الرد الأمريكي الرسمي الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة.
جذور الصراع ومسار المفاوضات مع إسرائيل
لم يكن التوتر الحالي وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الصراع والقرارات الدولية، أبرزها القرار الأممي 1701 الذي أنهى حرب تموز عام 2006 وأسس لقواعد اشتباك جديدة. تاريخياً، اتخذت المفاوضات مع إسرائيل طابعاً غير مباشر بوساطة دولية، كما حدث في اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 بوساطة المبعوث الأمريكي آموس هوكشتاين. هذا السياق التاريخي يجعل من الدور الأمريكي الحالي محورياً في محاولة إرساء هدوء جديد، حيث تسعى واشنطن لتكرار تجربة التوسط لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
تصعيد ميداني وإنذارات إخلاء إسرائيلية غير مسبوقة
على الصعيد الميداني، وفي ظل استمرار الغارات على مناطق عدة في الجنوب، تترقب أحياء الضاحية الجنوبية تنفيذ تهديدات الجيش الإسرائيلي. فقد وجه الأخير إنذارات عاجلة لسكان عدد من المناطق بضرورة الإخلاء الفوري. وشملت هذه الإنذارات أحياء حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، برج البراجنة، تحويطة الغدير، والشياح. وتُعد هذه المرة الأولى التي يشمل فيها التحذير منطقة الجناح، التي تتبع إدارياً لبلدية الغبيري، رغم تعرضها سابقاً لغارات من دون إنذارات مسبقة.
تزامناً مع ذلك، استهدفت مسيّرة إسرائيلية دراجة نارية ببلدة البابلية في صيدا جنوبي لبنان بعد منتصف الليل، وشنت مسيّرة غارتين على خربة الدوير. وأغار الطيران الإسرائيلي فجراً على بلدة الصرفند بغارتين، وفق الوكالة الوطنية للإعلام. كما نفذ الطيران الإسرائيلي غارة على بلدة حبوش، وأخرى على المنطقة الواقعة بين زفتا والمروانية، ودُمّر منزل في بلدة كفرتبنيت (قضاء النبطية) جراء غارة جوية، إضافة إلى غارة استهدفت المنطقة بين المحمودية والجرمق في قضاء جزين.
ردود فعل حزب الله واستهداف المواقع العسكرية
من جانبه، لم يتأخر الرد الميداني، حيث أعلن “حزب الله” في بيانات متتالية استهداف عدد من المواقع الإسرائيلية. وشملت الهجمات الصاروخية مستوطنات المالكية ومسكاف عام والمطلة. إضافة إلى ذلك، تم استهداف جرافة عسكرية إسرائيلية من نوع D9 في بلدة رشاف بصاروخ موجه، معلناً تحقيق إصابة مباشرة. ولفت الحزب إلى قصف تجمعات للجيش الإسرائيلي في بلدتي شمع ورشاف وعلى طريق رشاف صربين بالمدفعية والصواريخ، مما يعكس تصاعد حدة المواجهات البرية.
التداعيات الإقليمية وشروط لبنان لوقف إطلاق النار
سياسياً، ينتظر لبنان الرسمي تلقي رسالة من الجانب الأمريكي بشأن موقف إسرائيل من الانخراط في مفاوضات مباشرة، بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجيهاته للحكومة لبدء مفاوضات مع لبنان في أقرب وقت ممكن. وأفادت مصادر لبنانية بأن القيادة لم تتلق أي جواب أو رسالة من الجانب الأمريكي عن قبول الجانب الإسرائيلي بالتفاوض المباشر.
وتبرز أهمية هذا الحدث في تأثيره البالغ على الاستقرار الإقليمي والدولي؛ فأي اتفاق سيساهم في عودة مئات الآلاف من النازحين على جانبي الحدود ويخفف من حدة التوتر والمأساة الإنسانية في الشرق الأوسط. وتطالب بيروت بوقف شامل لإطلاق النار قبل انطلاق المفاوضات. وكشفت المصادر أنه لم يتحدد بعد لا مكان ولا زمان المفاوضات، أو أسماء الوفد المفاوض، بانتظار أن يتبلّغ رسمياً بهذه التفاصيل. وأوضحت المصادر أن السفير السابق سيمون كرم الذي كان يرأس وفد لبنان إلى لجنة الميكانيزم، هو من سيترأس الوفد مبدئياً، لكن أسماء الأعضاء لم تُحدد. وحسب المصادر، فإن الموقف اللبناني كان واضحاً في مجلس الوزراء، فهو يريد التفاوض بالآلية نفسها التي اعتمدت من قبل باكستان في مقترح المفاوضات بين أمريكا وإيران، أي وقف لإطلاق النار، ومن بعدها تنطلق المفاوضات.


