أثارت المواجهات الأخيرة في الشرق الأوسط تساؤلات عديدة، لعل أبرزها يتعلق بكيفية تقييم الداخل الإسرائيلي لهذه الأحداث. وفي هذا السياق، أظهرت أحدث استطلاعات الرأي حالة من الجدل الواسع، حيث يتساءل المراقبون عن الأسباب الحقيقية التي جعلت نتائج حرب إيران تثير انقساماً حاداً وغير مسبوق في الشارع الإسرائيلي، رغم إعلانات التهدئة ووقف إطلاق النار.
الجذور التاريخية للمواجهة المباشرة وتغيير قواعد الاشتباك
لفهم هذا الانقسام، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. لعقود طويلة، أدارت إسرائيل وإيران ما يُعرف بـ “حرب الظل”، والتي اعتمدت بشكل أساسي على الهجمات السيبرانية، والاستهدافات المتبادلة في دول ثالثة، والاعتماد على الفصائل المسلحة. ومع ذلك، فإن التحول الأخير نحو المواجهة العسكرية المباشرة والعلنية شكل نقطة تحول جوهرية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. هذا التحول المفاجئ في قواعد الاشتباك جعل المواطن الإسرائيلي يقيس النجاح والفشل بمعايير جديدة، مما يفسر التباين الكبير في تقييم الموقف الحالي.
قراءة في استطلاع الرأي: كيف يرى الإسرائيليون نتائج حرب إيران؟
كشف استطلاع رأي حديث أُجري لصالح موقعي “والا” و”معاريف” الإسرائيليين، عن أرقام تعكس عمق الأزمة الداخلية. فقد أظهرت النتائج أن 46% من الإسرائيليين يعتقدون أن النصر لم يتحقق في المواجهة المباشرة مع طهران. وفي المقابل، يرى 22% فقط أن إسرائيل حققت انتصاراً ملموساً.
علاوة على ذلك، أعرب 63% من المشاركين عن عدم رضاهم العام عن نتائج حرب إيران، مما يؤكد أن الغالبية العظمى لا تتبنى الرواية الرسمية التي تحاول تصدير “صورة النصر”. كما أشار 46% من المستطلعة آراؤهم إلى أن التحالف الإسرائيلي الأمريكي لم يتمكن من حسم المعركة لصالحه.
تباين الثقة بين القيادتين العسكرية والسياسية
من أبرز ما أفرزه هذا الاستطلاع هو التباين الواضح في مستويات الثقة بين المؤسستين العسكرية والسياسية. على الصعيد العسكري، تصدر قائد سلاح الجو الإسرائيلي، تومر بار، قائمة الرضا بنسبة بلغت 77%، تلاه رئيس هيئة الأركان إيال زمير (وفقاً لنتائج الاستطلاع المذكورة) بنسبة 71%.
أما على المستوى السياسي، فقد عكست الأرقام استقطاباً سياسياً حاداً. حصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على نسبة رضا بلغت 47% فقط، وتفوق عدد غير الراضين عن أدائه (49%) على عدد الداعمين له. والمثير للاهتمام أن 92% من ناخبي الائتلاف الحاكم راضون عن أدائه، مقابل 24% فقط بين ناخبي المعارضة. كما حصل وزير الدفاع يسرائيل كاتس على 40% من نسبة الرضا مقابل 51% غير راضين. وتذيل القائمة كل من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير التربية يوآف كيش بنسبة رضا لم تتجاوز 29%.
التداعيات المتوقعة وتأثير المشهد على الاستقرار الإقليمي
يحمل هذا الانقسام الداخلي أهمية كبرى وتأثيرات متوقعة على عدة أصعدة. محلياً، يعكس هذا التباين هشاشة الائتلاف الحكومي الحالي وحالة الاستقطاب التي قد تعيق اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية حاسمة في المستقبل. إقليمياً، تراقب طهران وحلفاؤها هذا الانقسام عن كثب، حيث يمكن أن يُقرأ كعلامة على التصدع الداخلي الإسرائيلي، مما قد يؤثر على موازين الردع ويشجع على تغيير التكتيكات في أي مواجهات مستقبلية.
دولياً، يبرز دور الولايات المتحدة كعامل حاسم في المعادلة الأمنية. فقد أظهر الاستطلاع أن 52% من الإسرائيليين أعربوا عن رضاهم عن أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال فترة الحرب، مقابل 43% غير راضين. هذا يعكس مدى ارتباط الشعور بالأمن القومي الإسرائيلي بالتحولات السياسية في واشنطن والدعم الأمريكي المباشر.
يُذكر أن هذا الاستطلاع الشامل تم إجراؤه عبر مركز “لازار للأبحاث”، وشمل عينة تمثيلية مكونة من 500 مشارك من السكان البالغين في إسرائيل، مع هامش خطأ يقدر بنحو 4.3%، مما يضفي مصداقية إحصائية على هذه النتائج التي ترسم صورة دقيقة للمشهد الإسرائيلي المعقد في الوقت الراهن.


