في مشهد يعكس تعقيد الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يواصل مضيق هرمز أداء دوره كشريان حيوي للطاقة العالمية رغم التصعيد المستمر. وفي ظل تصاعد لهجة التهديدات الأمريكية وتمسك طهران بشروطها، انتهت جولة المفاوضات الأخيرة دون التوصل إلى اتفاق، مما يبقي الملفات العالقة مفتوحة على كافة الاحتمالات.
تدفق إمدادات النفط عبر مضيق هرمز رغم التوترات
شهد الممر المائي، أمس، عبور نحو 6 ملايين برميل من النفط السعودي والعراقي، وهو ما يلعب دوراً بالغ الأهمية في استقرار أسواق النفط العالمية. ووفقاً لبيانات موقع «تانكر تراكرز» المتخصص في تتبع حركة السفن، توزعت هذه الشحنات بين مليوني برميل من النفط العراقي و4 ملايين برميل من النفط السعودي. ويعكس هذا الرقم الضخم استمرار تدفق الإمدادات العالمية عبر أحد أهم الممرات الحيوية، في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من أي تعطل محتمل قد يربك حسابات الأسواق العالمية ويؤدي إلى قفزات في أسعار الطاقة.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية للممر المائي
تاريخياً، لم يكن هذا الممر مجرد مسطح مائي عادي، بل هو نقطة اختناق استراتيجية تربط بين الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب. يمر عبر هذا المضيق نحو خُمس استهلاك العالم من النفط يومياً، مما يجعله العصب الرئيسي للاقتصاد العالمي. على مر العقود، كان المضيق مسرحاً للعديد من التوترات الجيوسياسية، بدءاً من «حرب الناقلات» في الثمانينيات خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى الأزمات المتكررة في العقد الأخير. هذه الخلفية التاريخية تجعل من أي تهديد بإغلاقه أو عرقلة الملاحة فيه بمثابة إنذار خطر يهدد الأمن الاقتصادي الدولي، ويدفع القوى الكبرى لتعزيز تواجدها العسكري لضمان حرية الملاحة.
تلويح أمريكي بسيناريو «حصار فنزويلا»
وفي تصعيد لافت للضغط، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصة «تروث سوشال» مقالاً للكاتب الأمريكي جون سولومون، يطرح فيه خيار فرض حصار بحري على إيران كأداة ضغط رئيسية. وأشار المقال إلى أن ترمب قد يلجأ إلى تكرار سيناريو فنزويلا، حين شُلّ اقتصادها عبر حصار بحري استهدف صادراتها النفطية بشكل مباشر. وأكد الكاتب أن هذا الخيار قد يكون بديلاً فعالاً عن المواجهة العسكرية المباشرة. ومما يعزز من قدرة واشنطن على تنفيذ مثل هذا السيناريو في حال فشل المسار الدبلوماسي، هو وجود قطع بحرية أمريكية ثقيلة في المنطقة، من بينها حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» و«يو إس إس أبراهام لينكون».
التداعيات الإقليمية والدولية للموقف الإيراني
في المقابل، كشفت تسريبات نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين إيرانيين أن طهران رفضت تقديم تنازلات مجانية، مشددة على عدم التوصل لتسوية إلا في إطار اتفاق نهائي شامل، رغم المطالب الأمريكية. يضع هذا الموقف المضيق في قلب المعادلة التفاوضية، باعتباره ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران في مواجهة واشنطن. إن التأثير المتوقع لهذا التعنت لا يقتصر على النطاق المحلي أو الإقليمي فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الدولي بأسره؛ فأي تصعيد عسكري أو إغلاق فعلي سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتباطؤ سلاسل الإمداد، مما ينعكس سلباً على معدلات التضخم العالمية والنمو الاقتصادي في الدول الصناعية الكبرى.
جهود دبلوماسية مستمرة لتجنب الانفجار
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن جولة المفاوضات الأخيرة انتهت دون التوصل إلى اتفاق، مشيرة إلى أن المحادثات جرت في أجواء من عدم الثقة. وتم بحث ملفات معقدة، أبرزها أمن الملاحة وقضايا إقليمية أخرى، حيث جرى التوصل إلى تفاهمات جزئية مقابل خلافات حول 3 قضايا رئيسية. وأضافت أن إيران طرحت خلال المفاوضات 10 بنود رئيسية مقابل مقترحات أمريكية، مؤكدة أن الطريق الدبلوماسي لا يزال مفتوحاً ولكنه يتطلب «واقعية» من الطرف الآخر. وفي سياق متصل، أعلن وزير الخارجية الباكستاني أن بلاده ستواصل دورها في تسهيل الحوار بين الطرفين، مؤكداً أن الوفدين الأمريكي والإيراني عقدا جولات تفاوض عدة انتهت صباح اليوم، معرباً عن أمله في استمرار التزام الطرفين بخفض التصعيد.


