شهد السوق العقاري السعودي خلال شهر مارس 2024 تراجعاً ملحوظاً في حجم وقيمة الصفقات العقارية، وهو ما فسره خبراء اقتصاديون وعقاريون لـ«عكاظ» بأنه مؤشر على دخول السوق مرحلة تصحيح هيكلي صحي بعد فترة من النمو المتسارع والنشاط المرتفع. ورغم هذا التراجع العام، حافظت العاصمة الرياض على موقعها الريادي، متصدرةً المشهد العقاري على مستوى المملكة، وفقاً لما أظهرته النشرة الشهرية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار. هذا التحول يعكس ديناميكية السوق وقدرته على إعادة التوازن بين العرض والطلب.
أكد الخبير الاقتصادي عبدالعزيز الأحمري لـ«عكاظ» أن هذا التراجع في الصفقات لا ينبغي أن يُنظر إليه كمؤشر سلبي، بل هو بمثابة تصحيح هيكلي ضروري يعزز صحة السوق على المدى الطويل. وأوضح الأحمري أن السوق العقاري السعودي ينتقل حالياً من مرحلة كانت مدفوعة بالنمو السريع والمضاربات، خاصة في قطاع الأراضي، إلى مرحلة أكثر نضجاً واستقراراً تعتمد على الطلب الحقيقي والاحتياجات الفعلية للمواطنين والمستثمرين. هذا التحول يعكس انحسار النشاط المضاربي الذي شهدته بعض الفترات السابقة، مما يسهم في زيادة كفاءة السوق وإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو الاستثمارات ذات القيمة المضافة والاستخدامات الفعلية للعقارات. كما أشار إلى أن التزامن بين انخفاض حجم صفقات البيع والإيجار يشير إلى دخول السوق مرحلة «إعادة تسعير شاملة»، متأثرة بعوامل تمويلية وتنظيمية، أبرزها ارتفاع تكلفة التمويل وتشديد معايير الإقراض، مما يفرض واقعاً جديداً على المشترين والبائعين.
رؤية 2030 ودورها في تشكيل المشهد العقاري
لا يمكن فهم التحولات الحالية في السوق العقاري السعودي بمعزل عن السياق الأوسع لرؤية المملكة 2030 الطموحة. فقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية دفعة قوية لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وكان القطاع العقاري أحد الركائز الأساسية لتحقيق هذه الرؤية. أطلقت الحكومة مبادرات ضخمة مثل برنامج «سكني» لزيادة نسبة تملك المواطنين للمساكن، بالإضافة إلى مشاريع عملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية، التي خلقت طلباً غير مسبوق على العقارات السكنية والتجارية على حد سواء. هذا النشاط المكثف، وإن كان ضرورياً للتنمية، أدى في بعض الأحيان إلى ارتفاعات سعرية مدفوعة جزئياً بالمضاربات، مما يجعل مرحلة التصحيح الحالية خطوة طبيعية نحو سوق أكثر استدامة وتوازناً. إن الهدف الأسمى هو بناء سوق عقاري يتسم بالشفافية والكفاءة، قادر على تلبية احتياجات النمو السكاني والاقتصادي المتوقع.
وأشار الأحمري كذلك إلى أن تراجع أعداد الإعلانات العقارية وتراخيص الوساطة يعكس «انكماشاً مؤقتاً في النشاط التسويقي»، لكنه في الوقت ذاته يساهم في رفع مستوى الاحترافية في القطاع ويحد من الممارسات غير المنظمة التي قد تشوه السوق. هذا التوجه نحو التنظيم والشفافية يتوافق مع أهداف الهيئة العامة للعقار لتعزيز بيئة استثمارية جاذبة وموثوقة. وأكد أن استقرار متوسط قيمة الصفقة، على الرغم من الانخفاض في عدد الصفقات الإجمالي، يؤكد أن التصحيح الحالي يتركز بشكل أساسي في حجم التداول والنشاط، وليس في انهيار شامل للأسعار، مما يطمئن المستثمرين والمشترين على حد سواء.
الرياض في الصدارة: محرك النمو والتحديات
تواصل الرياض ترسيخ مكانتها كأكبر السوق العقاري السعودي، مستحوذة على حصة كبيرة من إجمالي الصفقات والقيم على مستوى المملكة. يعود هذا التفوق إلى كونها مركز الثقل الاقتصادي والإداري للمملكة، ومحوراً رئيسياً للعديد من المشاريع التنموية الكبرى التي تستقطب الاستثمارات والسكان. إن أي تحول في سوق الرياض العقاري يكون له صدى واسع على بقية المناطق. ورغم التراجع العام، فإن قدرة الرياض على الحفاظ على هذه الصدارة تشير إلى قوة الطلب الأساسي فيها، مدعوماً بالنمو السكاني المتزايد وتدفق الاستثمارات الحكومية والخاصة. هذه المرحلة التصحيحية في الرياض قد تتيح فرصاً أفضل للمشترين الجادين، خاصة مع تزايد الخيارات وتنافسية الأسعار، مما يدعم هدف رؤية 2030 في زيادة نسبة تملك المواطنين للمساكن.
وفقاً للبيانات التفصيلية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار، فقد شهدت قيمة الصفقات السكنية انخفاضاً لتصل إلى حوالي 12.03 مليار ريال سعودي، مسجلة تراجعاً شهرياً بنسبة 18% وتراجعاً سنوياً حاداً بلغ 67%. كما انخفض عدد الصفقات السكنية إلى 14,222 صفقة، بانخفاض قدره 22% مقارنة بالشهر السابق، و52% على أساس سنوي. أما بالنسبة للصفقات غير السكنية، فقد تراجعت إلى حوالي 1,500 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 7.34 مليار ريال، مسجلة انخفاضاً شهرياً تجاوز 20%. وفيما يخص السوق الإيجاري، انخفض عدد العقود السكنية إلى 181,951 عقداً، بتراجع نسبته 32%، بينما بلغت العقود غير السكنية 46,737 عقداً بانخفاض 29%. وتراجعت قيمة صفقات الإيجار السكني إلى 4.06 مليار ريال، وغير السكني إلى 3.60 مليار ريال، مما يؤكد أن التراجع شمل مختلف جوانب السوق.
على صعيد تفاصيل القطاع السكني، كانت الأراضي هي الأكثر تأثراً بالتراجع، حيث انخفضت الصفقات السنوية بنسبة 59% بعد تسجيل 7,720 صفقة. تلتها الشقق بـ3,529 صفقة، ثم الفلل بـ1,277 صفقة. ورغم هذه التراجعات في أعداد الصفقات، حافظ متوسط قيمة الصفقة السكنية على استقراره النسبي، حيث بلغ نحو 741 ألف ريال سعودي، بانخفاض طفيف مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يدعم وجهة نظر الخبراء بأن التصحيح يتركز في حجم التداول وليس في انهيار الأسعار.
على الرغم من التراجع العام الذي شهده السوق العقاري السعودي، استمرت الرياض في تأكيد هيمنتها كأكبر سوق عقاري في المملكة، مستحوذة على 30% من إجمالي الصفقات، أي ما يعادل 4,773 صفقة، و48% من إجمالي القيمة السوقية بنحو 9.38 مليار ريال. تلتها في الأهمية منطقتا مكة المكرمة والمنطقة الشرقية، وإن كانتا بنسب أقل، مما يؤكد التركيز الجغرافي للنشاط العقاري في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية والمشاريع التنموية.
كما أظهرت البيانات الرسمية انخفاضاً في أعداد الإعلانات العقارية بشكل عام، حيث تراجعت إعلانات البيع بنسبة 46%، وإعلانات الإيجار بنسبة 27%. هذا التراجع يتزامن مع انخفاض في تراخيص الوساطة والتسويق العقاري، مما يعزز فكرة أن السوق يتجه نحو بيئة أكثر تنظيماً واحترافية، بعيداً عن النشاط العشوائي.
فرص استثمارية في مرحلة التصحيح
من جانبه، يرى الخبير العقاري المهندس عبدالناصر عبداللطيف أن ما يشهده السوق العقاري السعودي حالياً هو جزء لا يتجزأ من دورته الاقتصادية الطبيعية، ومرتبط بشكل مباشر بقرارات التوازن العقاري التي تهدف إلى استقرار السوق. وأكد عبداللطيف أن هذا التراجع كان متوقعاً بعد فترة من الارتفاعات المتسارعة وغير المستدامة، ويمثل مرحلة طبيعية وضرورية لإعادة ضبط الأسعار والحد من المبالغات التي تراكمت في الفترات السابقة. وأوضح أن السوق لا يمر بحالة ضعف أو أزمة، بل يعيش جزءاً من دورته الاقتصادية، حيث يتراجع الطلب غير الحقيقي المرتبط بالمضاربات، مما يفسح المجال للطلب الفعلي. هذه المرحلة تبدو أكثر ملاءمة للمشترين الجادين والراغبين في التملك، حيث تتسع الخيارات المتاحة وتزداد مرونة البائعين، مما يحسن فرص التفاوض ويجعل عملية الشراء أكثر جدوى.
وأضاف عبداللطيف أن فترات الارتفاع السريع في الأسعار غالباً ما تفرض على المشترين اتخاذ قرارات سريعة تحت ضغط، وبتكاليف أعلى. في المقابل، يمنح التباطؤ النسبي الحالي فرصة ذهبية للشراء بهدوء وبشروط أكثر توازناً وملاءمة. وشدد على أن السوق العقاري السعودي لا يمر بأزمة، بل هو في طور إعادة ترتيب أوراقه وتنظيم نفسه، مما قد يمثل فرصة مناسبة لاتخاذ قرارات استثمارية مدروسة، خاصة لمن يستهدف تملك مسكنه الخاص أو الاستثمار طويل الأجل. هذا التوجه نحو سوق أكثر استدامة وشفافية يتماشى تماماً مع الأهداف الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030، التي تسعى لتطوير القطاع غير النفطي وتحقيق التوازن الأمثل بين العرض والطلب في السوق العقاري، لضمان استقراره ونموه المستدام على المدى المتوسط والطويل، مما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني والمواطنين على حد سواء.


