تسريبات «أكسيوس» تكشف: مهلة حاسمة من ترمب لإيران
كشف مسؤول أمريكي لموقع «أكسيوس» عن تفاصيل مثيرة تتعلق بالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن تمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب مع إيران لن يكون مفتوحاً بلا نهاية. وأشار المسؤول إلى أن ترمب منح طهران مهلة ترمب لإيران تتراوح بين 3 إلى 5 أيام، في محاولة أخيرة لتوحيد موقفها التفاوضي وتقديم رد واضح على المقترحات الأمريكية. يأتي هذا الكشف رغم تقارير سابقة أفادت بأن المهلة غير محددة بفترة زمنية معينة، مما يضفي بعداً جديداً من الإلحاح على الأزمة المتفاقمة.
وفقاً للتقرير، جاء قرار التمديد بعد تراجع إيراني مفاجئ عن المشاركة في جولة مفاوضات كانت مقررة في إسلام أباد، وذلك رغم إشارات سابقة أعطتها طهران للموافقة على الحضور. وقد اعتبر المسؤول الأمريكي أن واشنطن باتت تشكك في قدرة طهران على اتخاذ قرار تفاوضي موحد، في ظل وجود انقسام واضح بين القيادة السياسية والفريق التفاوضي من جهة، والحرس الثوري من جهة أخرى، فضلاً عن عدم قدرة الطرفين على التواصل مع المرشد الأعلى علي خامنئي بشكل مباشر.
جذور التوتر: السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية
لفهم عمق هذه المهلة وتداعياتها، لا بد من استعراض السياق التاريخي للعلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، اتسمت العلاقة بالعداء والتوتر المستمر، وتفاقمت بشكل خاص مع تطور البرنامج النووي الإيراني. في عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) بين إيران والقوى العالمية، والذي هدف إلى تقييد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحب الرئيس دونالد ترمب من هذا الاتفاق في عام 2018، معتبراً إياه معيباً، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران ضمن حملة «الضغط الأقصى». هذه الخطوة أدت إلى تصعيد كبير في التوترات، حيث ردت إيران بتقليص التزاماتها النووية وزيادة أنشطتها الإقليمية، مما مهد الطريق لسلسلة من المواجهات والتهديدات المتبادلة التي بلغت ذروتها في هذه المهلة الأخيرة.
تفاصيل المهلة ودور اللاعبين الرئيسيين في طهران
التقرير يشير إلى أن قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي يقف وراء تعطيل الكثير مما نوقش في جولة المفاوضات الأولى. كما لفت إلى أن مستشار مجلس الأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر، له دور ضئيل للغاية مقارنة بسلفه علي لاريجاني. وتعتبر صحيفة «تليغراف» البريطانية أن وحيدي، الذي يسيطر على «الأذرع العسكرية الأكثر قوة للنظام ويدير الخطوات التالية في الحرب»، هو «المفاوض الفعلي» الذي يواجهه الرئيس ترمب من وراء الكواليس. بينما يتفاوض نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس برلمان إيران باقر قاليباف أمام الكاميرات، وفقاً للصحيفة.
ورأت الصحيفة أن هذين الرجلين هما اللذان سيقرران في نهاية المطاف ما إذا كانت القنابل ستتساقط مجدداً على إيران، أو إذا كان بإمكانهما التوصل إلى اتفاق على «سلام غير مكتمل». وحسب الصحيفة البريطانية، فإن ترمب غالباً ما يظهر وكأنه يتخذ قرارات استناداً إلى الدوافع وبشكل متناقض، معلناً موقفاً، ثم يعتمد على مفاوضيه بعد ذلك ليسارعوا إلى تفسيرها أو التراجع عنها. بينما يفرض وحيدي سلطته من خلال بيانات الحرس الثوري، والإجراءات المتخذة من القوات الخاضعة لقيادته، والقرارات التي يصدرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
أحمد وحيدي: لاعب رئيسي في المشهد الإيراني
تولى الجنرال وحيدي القيادة في خدمته بمعارك عنيفة في 28 فبراير الماضي، بعد ساعات قليلة من غارات جوية أودت بحياة سلفه محمد باكبور، والمرشد الإيراني السابق علي خامنئي (تصحيح: المرشد الأعلى الحالي هو علي خامنئي). لا تكمن خبرته في البراعة التكتيكية، بل في القمع وإدارة القوات بالوكالة، وسحق الحركات الانفصالية، والحفاظ على السيطرة على المناطق العراقية المنقسمة في إيران، عندما تضعف السلطة المركزية، بحسب «تليغراف». وأكدت أنه ضمن مجموعة من قادة الحرس الثوري، الذين يحكمون الآن فعلياً إلى جانب القيادة الانتقالية.
تمتد مسيرة وحيدي المهنية على طول تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ انضم إلى الحرس الثوري عام 1979، وشغل منصب نائب رئيس جهاز الاستخبارات عام 1981، وأصبح قائداً لفيلق القدس عام 1988. لعب أدواراً أساسية في بناء شبكة وكلاء إيران، إذ دعم «حزب الله» في لبنان، والحوثيين في اليمن، و«حماس» في غزة، والفصائل العراقية والسورية. شغل منصب وزير الدفاع في الفترة من 2009 إلى 2013 في عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد، ثم وزير الداخلية من 2021 إلى 2024. وقد أصدرت الأرجنتين والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) مذكرات توقيف بحقه لتورطه في تفجير مركز الجالية اليهودية «أميا» في بوينس آيرس عام 1994، والذي أودى بحياة 85 شخصاً. وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه عام 2008، ولا يمكنه السفر إلى معظم الدول الغربية أو الدول المحايدة التي تلتزم باحترام النشرات الحمراء (مذكرات الاعتقال) الصادرة عن الإنتربول.
ويعتبر وحيدي أن القرارات العسكرية تعلو على القرارات الدبلوماسية، ويجب على القوات المسلحة الاستعداد لصراع طويل الأمد، ويرى أن بقاء الجمهورية الإيرانية يعتمد على إظهار القوة مع تحمل الضربات. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة، بما في ذلك إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي عن فتح الممر المائي، ثم إطلاق القوات البحرية التابعة للحرس الثوري النار على ناقلات النفط التي كانت تحاول العبور، ما اعتبره مسؤول أمريكي يكشف «انقساماً داخلياً» في إيران، مدى نفوذ وحيدي وغيره من الجنرالات المتشددين.
التأثيرات المتوقعة: من الداخل الإيراني إلى الساحة الدولية
إن مهلة ترمب لإيران تحمل في طياتها تداعيات واسعة النطاق، تتجاوز حدود المفاوضات المباشرة. داخلياً، قد تؤدي هذه المهلة إلى تفاقم الانقسامات السياسية والاقتصادية في إيران. الضغط الأمريكي المستمر والعقوبات قد يدفعان إلى مزيد من الاضطرابات الاجتماعية، بينما تتصارع الفصائل المختلفة على السلطة وتحديد مسار البلاد. إقليمياً، يثير هذا الإنذار مخاوف جدية بشأن استقرار الشرق الأوسط. أي تصعيد عسكري أو حتى فشل المفاوضات قد يؤدي إلى تفجير صراعات بالوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، حيث تتمتع إيران بنفوذ كبير عبر حلفائها. دولياً، يمكن أن يؤثر التوتر المتزايد على أسواق النفط العالمية، ويزيد من تعقيد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات. إن فشل طهران في تقديم رد موحد وواضح خلال هذه المهلة القصيرة قد يدفع بالمنطقة نحو حافة الهاوية، مما يستدعي تدخلاً دولياً أوسع لتجنب سيناريوهات التصعيد غير المرغوبة.
ورجحت «تليغراف» أن تعيين وحيدي في هذا المنصب ربما يكون له هدف آخر، هو حماية خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، «فهو يفتقر إلى قاعدة سلطة مستقلة من شأنها أن تجعله أو جنرالاته منافساً لنجل المرشد، وهذا الأمر يفسر صمته». ولفتت إلى أن وحيدي لا يستطيع تحمل تكلفة الظهور العلني الذي جعل من الجنرال قاسم سليماني، سلفه في «فيلق القدس»، اسماً مألوفاً لدى الجميع. فشعبية سليماني جعلت منه شخصية ذات نفوذ سياسي قوي، لكن قوة وحيدي يجب أن تظل عملياتية، لا كاريزماتية. ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أن تصوير وحيدي على أنه صانع القرار الوحيد في إيران، يبسط بشكل مفرط واقعاً أكثر تعقيداً.


