spot_img

ذات صلة

تمديد الهدنة مع إيران: دوافع ترامب وتأثير العقوبات

في قرار جاء قبل ساعات قليلة من الموعد النهائي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تمديد الهدنة مع إيران، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً وتساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراءها. هذا التمديد، الذي أبقى على بعض الإعفاءات من العقوبات البحرية، جاء في الوقت الذي يشدد فيه ترامب على أن العقوبات الأمريكية قد أدت إلى انهيار مالي حاد في طهران، مؤكداً أن إيران «تنهار مالياً» وتخسر 500 مليون دولار يومياً. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا القرار الذي وصفته طهران بـ«الخداع لكسب الوقت»؟

السياق التاريخي للتوتر الأمريكي الإيراني

لفهم قرار تمديد الهدنة مع إيران، لا بد من العودة إلى جذور التوتر بين واشنطن وطهران. تعود العلاقة المتوترة إلى عقود مضت، لكنها تصاعدت بشكل حاد بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018. هذا الاتفاق، الذي أبرمته إيران مع القوى العالمية عام 2015، كان يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الدولية. بانسحاب ترامب، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية قاسية، تستهدف قطاعات حيوية مثل النفط والبنوك والشحن، بهدف الضغط على طهران للقبول باتفاق نووي أوسع وأكثر شمولية، يغطي أيضاً برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. هذا الضغط الاقتصادي كان المحرك الرئيسي وراء استراتيجية «الضغط الأقصى» التي تبنتها إدارة ترامب، والتي تهدف إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية.

دوافع القرار الأمريكي: ضغط أم فرصة؟

على الرغم من التصريحات المتكررة لترامب حول فعالية العقوبات وانهيار الاقتصاد الإيراني، فإن قرار تمديد الهدنة مع إيران يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية. يرى البعض، ومنهم مستشارون لترامب، أن تخفيف الضغط قد يمنح إيران فرصة لإطالة أمد المفاوضات أو حتى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية، كما هو الحال مع منظمة الصواريخ. في المقابل، يرى فريق آخر أن التمديد قد يكون تكتيكاً لإبقاء الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية، مع الحفاظ على الضغط الاقتصادي الذي يعتقد ترامب أنه يدفع طهران نحو الاستسلام. تصريحات ترامب بأن إيران «تريد فتح مضيق هرمز فوراً» لكنها «تعاني من نقص حاد في الأموال» تعكس اعتقاده بأن الضغط المالي هو الأداة الأقوى لديه. هذا التمديد، وإن كان قصيراً وغير محدد المدة، قد يكون محاولة لاختبار مدى استعداد طهران للتفاوض الجاد.

الانقسامات الداخلية الإيرانية وتأثيرها

تشير تقارير استخباراتية أمريكية، نقلتها شبكة CNN، إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لـ«الصمت الإيراني» وعدم التوصل إلى موقف موحد بشأن القضايا الحساسة مثل تخصيب اليورانيوم ومخزونه، يعود إلى وجود انقسامات داخلية عميقة داخل القيادة الإيرانية. هذه الانقسامات تعيق قدرة طهران على صياغة استراتيجية تفاوضية واضحة وتقديم تنازلات. يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن بقاء المرشد الأعلى صامتاً يعطل التواصل الفعال داخل النظام الإيراني، مما يجعل المفاوضات أكثر تعقيداً. هذه الديناميكية الداخلية قد تكون عاملاً في قرار واشنطن بتمديد الهدنة، أملاً في أن يؤدي الضغط المستمر إلى توحيد الصفوف أو تغيير في المواقف.

التداعيات الإقليمية والدولية للقرار

لا يقتصر تأثير قرار تمديد الهدنة مع إيران على العلاقات الثنائية بين واشنطن وطهران فحسب، بل يمتد ليشمل المنطقة والعالم. على الصعيد الإقليمي، تثير التوترات المستمرة مخاوف بشأن استقرار الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية. أي تصعيد عسكري أو حتى استمرار حالة عدم اليقين يمكن أن يؤثر سلباً على أسعار النفط والاقتصاد العالمي. دول المنطقة، وخاصة حلفاء الولايات المتحدة، تراقب الوضع عن كثب، حيث يمكن أن يؤثر أي تغيير في السياسة الأمريكية على توازنات القوى الإقليمية. دول مثل باكستان، التي دعت المسؤولين الأمريكيين إلى إقناع طهران بالتهدئة، تدرك خطورة التصعيد. على الصعيد الدولي، يعكس هذا القرار التحديات التي تواجه الدبلوماسية في التعامل مع ملف إيران النووي ونفوذها الإقليمي، ويبرز الانقسامات بين القوى الكبرى حول أفضل السبل للتعامل مع طهران.

هل المفاوضات لا تزال ممكنة؟

على الرغم من كل هذه التعقيدات، أفاد مسؤول أمريكي لـCNN أن احتمال عقد لقاء بين المفاوضين «لا يزال قائماً»، لكن توقيته غير مؤكد. إيران تصر على رفع الحصار البحري عن سفنها الداخلة والخارجة من مضيق هرمز كشرط لاستئناف المحادثات، وهو ما يرفضه ترامب بشدة، مؤكداً أنه «لن نفتح المضيق حتى نحصل على اتفاق نهائي». هذا الجمود يبرز عمق الخلافات ويجعل مهمة التوصل إلى حل دبلوماسي صعبة، خاصة في ظل ما وصفته شبكة فوكس نيوز بـ«الحملة الاستخباراتية العسكرية المكثفة» التي تقودها الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن تمديد الهدنة مع إيران، حتى لو كان لفترة قصيرة، قد يمثل بصيص أمل ضئيل للدبلوماسية، في محاولة لتجنب تصعيد قد تكون عواقبه وخيمة على الجميع.

spot_imgspot_img