في مشهد مؤثر هزّ قلوب الملايين، انهارت الفنانة الكويتية القديرة سعاد عبدالله بالبكاء خلال نعي حياة الفهد، رفيقة دربها الفني والإنساني التي وافتها المنية صباح أمس بعد صراع طويل مع المرض. بكلمات تكسوها الحسرة والألم، عبرت “سندريلا الشاشة الخليجية” عن صدمتها وحزنها العميق لفقدان من وصفتها بـ “العزوة”، مؤكدة أنها تشعر بالوحدة الشديدة بعد رحيل من كانوا سندها وعضدها في الحياة والفن.
رفيقة الدرب: تاريخ حافل من الإبداع المشترك
تُعد العلاقة بين سعاد عبدالله وحياة الفهد واحدة من أندر وأقوى الروابط في تاريخ الفن الخليجي والعربي. لم تكن مجرد صداقة عابرة، بل شراكة فنية امتدت لعقود طويلة، شكلتا خلالها ثنائياً ذهبياً لا يُنسى. بدأت مسيرتهما الفنية في فترة الستينيات، وشهدت الساحة الفنية الخليجية ميلاد نجمتين ساطعتين، قدّمتا معاً أعمالاً درامية ومسرحية خالدة تركت بصمة لا تُمحى في ذاكرة الجمهور. من مسلسلات مثل “رقية وسبيكة” و”على الدنيا السلام” إلى “خالتي قماشة” وغيرها الكثير، جسدت كلتا الفنانتين أدواراً أيقونية عكست الواقع الاجتماعي والثقافي للمنطقة بأسلوب فكاهي وتراجيدي في آن واحد، مما أكسبهما لقب “عملاقتي الدراما الخليجية”. هذه الأعمال لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت مرآة للمجتمع، ناقشت قضاياه وهمومه، وساهمت في تشكيل الوعي الفني لعدة أجيال.
حياة الفهد: قامة فنية لا تعوض
برحيل الفنانة القديرة حياة الفهد، تفقد الساحة الفنية العربية قامة من قاماتها الشامخة. لم تكن حياة الفهد مجرد ممثلة، بل كانت مدرسة في الأداء والتعبير، تميزت بقدرتها الفائقة على تجسيد مختلف الأدوار ببراعة واقتدار، سواء كانت أدوار الأم الحنون، أو المرأة القوية، أو الشخصية الكوميدية. مسيرتها الفنية الغنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، قدمت خلالها مئات الأعمال التي أثرت المكتبة الدرامية والمسرحية الخليجية. كانت رائدة في كثير من المجالات، وساهمت في رفع مستوى الدراما الكويتية والخليجية إلى مصاف العالمية. تأثيرها لم يقتصر على الأداء التمثيلي، بل امتد إلى الإنتاج والإخراج، مما جعلها شخصية محورية في تطور الفن بالمنطقة. وفاتها تمثل نهاية حقبة ذهبية، وتترك فراغاً كبيراً يصعب ملؤه.
تأثير وفاة حياة الفهد على الساحة الفنية والمجتمع
إن وفاة حياة الفهد لا تمثل خسارة شخصية لسعاد عبدالله فحسب، بل هي فاجعة للوسط الفني الكويتي والخليجي والعربي بأكمله. رحيل فنانة بحجم حياة الفهد يثير تساؤلات حول مستقبل الدراما الخليجية ومن سيحمل الراية بعد جيل الرواد. إنها تذكرة بمرور الزمن وتغير الأجيال، وبأن كل حقبة لها نجومها الذين يتركون بصماتهم الخالدة. الجمهور الذي نشأ على أعمالهما المشتركة يشعر بفقدان جزء من ذاكرته الفنية، وتتجدد لديه مشاعر الحنين إلى زمن الفن الجميل. على الصعيد الإقليمي، تُعد حياة الفهد رمزاً للثقافة والفن الكويتي، وقد أثرت أعمالها في المشاهدين من المحيط إلى الخليج، مما يجعل رحيلها حدثاً جللاً يتجاوز الحدود الجغرافية، ويترك أثراً عميقاً في قلوب محبي الفن الأصيل.
سعاد عبدالله: صوت الحزن العميق
تجسد كلمات سعاد عبدالله الممزوجة بالدموع، والتي قالت فيها: “ما أعرف وش أقول، صعبة، صعبة، خلاص يعني أنا وحدي أحس كأني وحيدة الحين، كأن ما عندي أحد.. كأن ما عندي ظهر.. ما عندي سند.. راحوا كل معي واللي كانوا عزوتي”، عمق العلاقة التي جمعتها بالراحلة. هذه الكلمات ليست مجرد تعبير عن حزن شخصي، بل هي صرخة تعكس فقدان جيل كامل من الفنانين الذين شكلوا وجدان الأمة. إنها تعبر عن شعور بالوحدة الفنية والإنسانية، حيث يغيب الأصدقاء والزملاء الذين شاركوها مسيرة الحياة والإبداع. هذا النعي الصادق يلقي الضوء على الروابط الإنسانية القوية التي تتجاوز الشهرة والأضواء، ويؤكد أن الفن، في جوهره، هو تجربة إنسانية عميقة تتشابك فيها الأرواح والقلوب.


