تواصل المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة مسيرتها نحو تحقيق أهداف رؤيتها الطموحة 2030، والتي تضع تحسين جودة العيش في المدن السعودية في صميم أولوياتها. كشف تقرير الرؤية السنوي لعام 2025 عن تقدم ملحوظ في تنافسية المدن السعودية ضمن مؤشرات جودة العيش العالمية، مع سعي حثيث لإدراج ثلاث مدن سعودية ضمن قائمة أفضل 100 مدينة صالحة للعيش في العالم بحلول عام 2030. هذا التوجه يعكس التزام المملكة بتوفير بيئة حضرية متكاملة ومستدامة، تلبي تطلعات المواطنين والمقيمين وتجذب الاستثمارات والكفاءات العالمية.
رؤية 2030: طموح وطني لمدن عالمية
لم تكن رؤية السعودية 2030 مجرد خطة اقتصادية، بل هي خارطة طريق شاملة لإعادة تشكيل مستقبل المملكة على كافة الأصعدة. منذ إطلاقها في عام 2016، ركزت الرؤية على تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وتطوير القطاعات غير النفطية، وتمكين المجتمع، وتعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً. في هذا السياق، يأتي الاهتمام بتطوير المدن وتحسين جودة الحياة فيها كركيزة أساسية، حيث تُعد المدن مراكز للنمو الاقتصادي والابتكار الثقافي والاجتماعي. تاريخياً، شهدت المدن السعودية نمواً سريعاً، لكن رؤية 2030 تسعى لتحويل هذا النمو إلى تنمية مستدامة تركز على الإنسان، مع التركيز على توفير بنية تحتية متطورة، وخدمات عالية الجودة، وخيارات ترفيهية وثقافية متنوعة. هذا التحول الحضري يهدف إلى جعل المدن السعودية وجهات جاذبة للعيش والعمل والاستثمار، بما يتماشى مع أفضل المعايير العالمية.
مؤشر جودة العيش العالمي: معيار التنافسية
يُعد تقرير «تصنيف قابلية العيش العالمي» الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU) أحد أبرز المؤشرات العالمية التي تقيس جودة الحياة في المدن. يعتمد هذا المؤشر على خمسة أبعاد رئيسية هي: الاستقرار، والثقافة والبيئة، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية. هذه الأبعاد تُشكل معياراً شاملاً لتقييم مدى قدرة المدينة على توفير بيئة معيشية مثالية. ووفقاً لتقرير الرؤية السنوي 2025، بلغ خط الأساس للمؤشر صفر مدينة سعودية ضمن قائمة الـ100، وبقيت القيمة الفعلية في 2025 عند صفر، مقابل مستهدف سنوي يتمثل في دخول مدينة سعودية واحدة ضمن القائمة، على أن يصل المستهدف النهائي في 2030 إلى ثلاث مدن سعودية. ورغم عدم دخول أي مدينة سعودية حتى الآن ضمن قائمة الـ100، فإن التقدم المحرز يُعد مؤشراً إيجابياً على المسار الصحيح.
تحسن لافت: الرياض، جدة، والخبر في صدارة التقدم
أظهر تقرير الرؤية السنوي تحسناً ملموساً في ترتيب عدد من المدن السعودية خلال عامي 2024 و2025، مما يعكس الجهود المبذولة في هذا الصدد. فقد بلغت الرياض المرتبة 124 عالمياً بتحسن مركز واحد، وجدة المرتبة 127 بتحسن مركزين، فيما جاءت الخبر في المرتبة 135 بتحسن تسعة مراكز. هذا التحسن ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج استثمارات ضخمة ومتواصلة في البنية التحتية، وشبكات النقل الحديثة، وتعزيز الربط الدولي، وتطوير قطاعي الإسكان والمرافق العامة. كما شملت هذه الاستثمارات تطوير قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، وهي محاور ترتبط مباشرة بقياس قابلية العيش وجودة العيش في المدن السعودية، وتُسهم في رفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
تأثيرات بعيدة المدى: مدن مزدهرة لمستقبل مستدام
إن السعي نحو تحسين جودة العيش في المدن السعودية يحمل في طياته تأثيرات إيجابية واسعة النطاق. محلياً، يعني ذلك توفير بيئة أكثر جاذبية للمواطنين، مع خيارات سكنية وترفيهية وثقافية أوسع، وفرص عمل أفضل، مما يعزز من رفاهية المجتمع ويُسهم في بناء مجتمعات حيوية ومزدهرة. إقليمياً ودولياً، يُعزز هذا التقدم من مكانة المملكة كوجهة رائدة للأعمال والسياحة والاستثمار. فكلما ارتفعت جودة الحياة في المدن، زادت قدرتها على جذب الكفاءات العالمية ورؤوس الأموال، مما يُسهم في تنويع الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة. هذا التحول الحضري يُرسخ صورة المملكة كدولة حديثة ومتطورة، قادرة على المنافسة على الساحة العالمية وتقديم نموذج فريد للتنمية الشاملة.
تحديات وفرص: نحو تحقيق المستهدفات
أشار التقرير إلى أن طبيعة هذه الاستثمارات الضخمة تحتاج إلى وقت أطول حتى يظهر أثرها التنموي الكامل على جودة الحياة وتمكين المواطن داخل المدن، خصوصاً أن المؤشر يعتمد على بيانات تفصيلية ومحاور فرعية دقيقة تتطلب حوكمة ووفرة في البيانات. كما لفت تقرير الرؤية السنوي 2025 إلى أن بعض فجوات الوصول إلى البيانات في عدد من المحاور الفرعية قد تؤثر على نتائج المؤشر، مما يجعل دقة البيانات وتحديثها عنصراً رئيسياً في تحسين قراءة الأداء السعودي عالمياً. وفي هذا السياق، يجري العمل على مراجعة تفصيلية لأداء المؤشر، بالتنسيق بين برنامج جودة الحياة ووزارة السياحة والجهات المعنية وأمانات المدن، لوضع خطة تستهدف تحسين تصنيف المدن السعودية ودعم حضورها في المؤشرات العالمية المرتبطة بجودة العيش. يمثل هذا المسار أحد أوجه التحول الحضري الذي تقوده رؤية السعودية 2030، من خلال تطوير المدن، وتوسيع خيارات السكن والنقل والترفيه والخدمات، وتحويل جودة الحياة إلى معيار تنافسي تقاس به جاذبية المدن السعودية محلياً ودولياً.


