كشفت مصادر باكستانية مطلعة عن تطورات مهمة في مسار جهود الوساطة الإقليمية، حيث أفادت بأن مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، عباس عراقجي، الذي عاد إلى إسلام آباد بعد زيارة لمسقط، قد حصل على ضوء أخضر لمناقشة نقاط جديدة. تسعى باكستان لطرح هذه المقترحات بهدف التوصل إلى حل للقضايا الخلافية وإنهاء حالة التوتر المتصاعدة في المنطقة. تأتي هذه مباحثات عراقجي في وقت حرج، حيث تترقب إسلام آباد موافقة إيرانية على لقاء محتمل مع الجانب الأمريكي، مع بقاء الدبلوماسي الإيراني في العاصمة الباكستانية لحين وصول الوفد الأمريكي المفترض.
تصاعد التوترات وسياق الوساطة الإقليمية
تأتي هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة في ظل سياق إقليمي ودولي معقد، شهد تصاعداً ملحوظاً في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. أدت هذه الخطوات إلى تدهور كبير في العلاقات، وتصاعدت حدة التوتر مع وقوع حوادث في مضيق هرمز واستهداف منشآت نفطية، ما أثار مخاوف جدية من اندلاع صراع أوسع في المنطقة. في هذا المشهد المضطرب، برزت دول مثل باكستان وعُمان كلاعبين رئيسيين في جهود الوساطة، مستندة إلى علاقاتها التاريخية مع الطرفين ورغبتها في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
لطالما لعبت باكستان دوراً تقليدياً في الدبلوماسية الإقليمية، مدفوعة بموقعها الجيوسياسي وأهمية استقرار المنطقة لأمنها القومي واقتصادها. إن استمرار التوتر بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط يؤثر بشكل مباشر على مصالح باكستان، مما يجعلها حريصة على تسهيل الحوار وتخفيف حدة الصراع. من هنا، تأتي زيارة عراقجي إلى إسلام آباد كجزء من سلسلة مشاورات تهدف إلى استكشاف سبل جديدة لكسر الجمود الدبلوماسي.
مباحثات عراقجي في إسلام آباد ومسقط: آفاق دبلوماسية جديدة
أكدت مصادر باكستانية أن زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، عباس عراقجي، إلى إسلام آباد تندرج في إطار مزيد من التشاور، مشددة على أن وقف إطلاق النار قائم ولم تتلق أي إخطارات أمريكية بشأنه. وعلى الرغم من عدم وجود خطط فورية لوصول وفد أمريكي لإسلام آباد في الوقت الحالي، فإن بقاء عراقجي في العاصمة الباكستانية يشير إلى جدية الجهود المبذولة لإعداد الأرضية لأي حوار مستقبلي. وقد عرض عراقجي، خلال زيارته لإسلام آباد، موقف طهران بشأن إنهاء الصراع الإقليمي على كبار المسؤولين الباكستانيين، بمن فيهم رئيس الوزراء وقائد الجيش ووزير الخارجية، مما يؤكد أهمية الدور الباكستاني في هذه المرحلة.
دور عُمان المحوري في دعم الحوار
لم تقتصر جولة عراقجي الدبلوماسية على باكستان فحسب، بل شملت أيضاً زيارة إلى مسقط، حيث استقبله سلطان عُمان هيثم بن طارق. بحث الجانبان جهود الوساطة ومساعي إنهاء النزاعات، وأكد السلطان هيثم على ضرورة تغليب الحوار والدبلوماسية لمعالجة القضايا العالقة. تُعرف عُمان بتاريخها الطويل في لعب دور الوسيط الهادئ والموثوق به في المنطقة، وقد نجحت في السابق في استضافة محادثات سرية مهدت الطريق لاتفاقات مهمة. قدم عراقجي الشكر للسلطان هيثم على موقف عُمان الداعم لجهود الحوار، وبحث معه قضايا الأمن الإقليمي والمرور الآمن في مضيق هرمز، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه المباحثات.
التحديات والآمال: مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال التحديات كبيرة. فقد ألغى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب زيارة كان من المتوقع أن يجريها مبعوثاه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في ظل عدم تحقيق اختراق ينهي الحرب. أكد ترامب حينها أن على الإيرانيين «القيام به هو الاتصال بنا» إذا أرادوا التفاوض، مشيراً إلى أن واشنطن أهدرت «الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل!». ومع ذلك، أشار ترامب إلى أن الإيرانيين «قدموا إلينا وثيقة كان يجب أن تكون أفضل مما هي عليه»، وأنه بعد إلغاء الزيارة «قدموا وثيقة جديدة أفضل»، دون الكشف عن تفاصيل إضافية. هذا يشير إلى أن هناك قنوات اتصال غير مباشرة قائمة، وأن الأطراف مستعدة لتبادل المقترحات، حتى لو كانت المفاوضات المباشرة لا تزال بعيدة المنال.
إن استمرار جهود الوساطة، سواء من باكستان أو عُمان، يعكس إدراكاً دولياً وإقليمياً لأهمية تجنب التصعيد العسكري. فالحوار، حتى لو كان غير مباشر، يظل السبيل الوحيد لتهدئة التوترات وإيجاد حلول مستدامة. إن نجاح هذه مباحثات عراقجي والمقترحات الجديدة التي تحملها باكستان يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للدبلوماسية، ويساهم في استقرار منطقة الخليج والعالم بأسره.


