spot_img

ذات صلة

صدقي عبدالله حطاب: مسيرة عطاء في عالم المعرفة والثقافة العربية

في خضم نهضة ثقافية وعلمية شهدتها دول الخليج العربي والمنطقة عموماً، مع انتشار التعليم وتأسيس الجامعات والنوادي الثقافية ووزارات وهيئات معنية بالشأن الثقافي، برزت الحاجة الماسة لمشاريع فكرية رائدة تثري المشهد المعرفي. في هذا السياق، تألق اسم المفكر والأديب الفلسطيني-الأردني صدقي عبدالله حطاب، الذي ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بسلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، إحدى أبرز المبادرات الثقافية التي أثرت المكتبة العربية.

النهضة الثقافية في الخليج ودور الكويت الريادي

شهدت المنطقة العربية، وخاصة دول الخليج، في منتصف القرن العشرين وما بعده، حراكاً ثقافياً غير مسبوق. فبعد عقود من التحديات، بدأت هذه الدول في بناء مؤسساتها التعليمية والثقافية، مستفيدة من الطفرة الاقتصادية. كانت الكويت في طليعة هذه الدول، حيث أدركت مبكراً أهمية الثقافة كركيزة أساسية للتقدم المجتمعي. فظهرت مجلات ثقافية دورية مثل «قافلة الزيت» (1953)، و«العربي» (1958)، و«المنهل» (1937)، و«العرب» (1966)، التي سعت لتقديم زاد معرفي محكم بأقلام كبار المبدعين العرب. هذه المجلات، إلى جانب إصدارات أخرى كـ«الفيصل» و«رسالة الخليج العربي» السعوديتين، و«نزوى» العمانية، و«الدوحة» القطرية، و«البحرين الثقافية»، شكلت أرضية خصبة لتبادل الأفكار والمعارف.

لعبت دولة الكويت، من خلال المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دوراً محورياً ورائداً في نشر العلم والمعرفة. وقد تجلى هذا الدور في إصدار مطبوعات رسمية مكثفة بالفكر والثقافة والعلوم الإنسانية الرفيعة. من أبرز هذه المطبوعات سلسلة «عالم المعرفة»، التي تصدر مطلع كل شهر منذ يناير 1978، بهدف ربط القارئ بأحدث التيارات الفكرية والثقافية المعاصرة. وإلى جانبها، برزت سلسلة «المسرح العالمي» التي صدر عددها الأول في مارس 1971، لتعزيز الوعي بالفن المسرحي وإثرائه فكرياً وأدبياً عبر نشر المسرحيات العالمية المترجمة. كما لا يمكن إغفال مجلة «عالم الفكر»، وهي دورية ثقافية محكمة ظهر عددها الأول في أبريل 1970، والتي لا يعرف قدرها ومكانتها الرفيعة إلا الأكاديميون والجامعيون العرب.

صدقي عبدالله حطاب: العقل المدبر وراء الإنجازات الثقافية

إن هذه الدوريات الكويتية لم تكن لتخلق آثاراً مدوية وإشعاعاً فكرياً خالداً لولا وقوف ثلة من النجباء والمثقفين الكويتيين والعرب خلف دفّتها. وإذا كان الأديب الشاعر أحمد مشاري العدواني أحد هؤلاء الكويتيين، فإن إحدى الشخصيات العربية البارزة التي رافقته لسنوات ووضعت علمها وخبرتها تحت تصرفه لإنجاز إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب على أكمل وأفضل وأثرى وجه، هو صدقي عبدالله حطاب. لقد وثّق الناقد والكاتب المصري جابر عصفور في مقال نشره بمجلة «العربي» الكويتية (العدد 703) ذكرياته في السنوات التي عمل فيها بالكويت، قائلاً: «ولا أكاد أذكر أحمد العدواني إلا ويرد على ذهني ذكر مساعده الأستاذ صدقي حطاب، الفلسطيني الجنسية، الذي عاش أغلب سنوات عمره في الكويت، بعد أن تخرج في قسم اللغة الإنجليزية من جامعة القاهرة. ولا تزال صلتي بالأستاذ حطاب قائمة، وأسأل عنه دائماً كلما ذهبت إلى عمان، فهو من أصدقاء الزمن الجميل بسنواته التي لا تنسى، والتي لا أزال أراها بمنزلة الحلم الذي كان يجمعني بشخصيات هي رموز مضيئة في كل مجال من مجالات المعرفة. وأعتقد أن إسهام صدقي حطاب في تأسيس سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية كان عظيماً، فهو الذي كان بمنزلة الدينامو الذي كان يكمن وراءها، والذي ظل يعمل على استمرارها وتجددها إلى أن اضطرته أحواله الصحية إلى التخلي عنها والعودة إلى مستقره الدائم في عمان، حفظه الله ومنحه المزيد من العمر والعافية».

كما كتب عنه في صحيفة «الرأي» الأردنية (30/3/2011) صديقه وزميله في العمل باللجنة العليا لتطوير الفنون في الكويت، ثم في الأمانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المسرحي الكويتي عبدالعزيز السريع، فوصفه بالمعلم المثقف، وسرد الكثير من ذكرياته معه، متطرقاً إلى جهوده الكبيرة وإخلاصه وتفانيه في العمل، في الحقل التربوي وفي الحياة العامة، ومشيراً إلى مؤلفاته العديدة. ومما قاله: «توثقت علاقتي به وازدادت عمقاً بمرور الوقت لإعجابي بشخصه وثقافته الواسعة والمتنوعة على الوجهين التراثي والمعاصر.. العربي والعالمي، حيث خدم الأستاذ صدقي حطاب بإخلاص في الكويت، ولعب دوراً بارزاً في العمل التربوي والثقافي، وقد قام بأمر مباشر من صديقيه عبدالعزيز حسين وأحمد العدواني بتأسيس قسم اليونسكو في (دائرة المعارف) عام 1957، وعمل إلى جوارهما في النشاط الثقافي لوزارة التربية وفي مدارسها وفي الحياة العامة». وأضاف ما معناه أن حطاب أمضى 35 سنة يعمل في الكويت بحب وإخلاص، وبعد تركه لها للإقامة في الأردن كان الحنين لها يشده فيقوم بزيارتها وزيارة أصدقائه الكثر بها.

مسيرة أكاديمية ومهنية حافلة

نشرت صحيفة «الحياة الجديدة» الفلسطينية (31/10/2017) سردية مفصلة عن نشأته ودراسته ومسيرته المهنية، بمناسبة رحيله إلى مثواه الأخير في عام 2017 بمدينة عمان الأردنية، بدأتها بالإعراب عن الأسف لتجاهل خبر وفاته وشح أخباره، «رغم إنجازاته الفكرية، والأدبية، والعلمية، ذائعة الصيت في الكويت، التي عاش بها سنين عديدة، وعمل في فضائها الثقافي، ليكون واحداً من الأسماء العملاقة التي أثرت المكتبات العربية بالأدب المترجم، والمجلات الفكرية». وبعد انتشار خبر وفاته قامت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) في 30/10/2017 بنعيه من خلال بيان عنونته بـ«صدقي حطاب.. قامة أدبية عميقة ترحل».

وُلد صدقي عبدالله حطاب بقرية «كفرصور» التابعة لقضاء طولكرم سنة 1932، ورحل عن الدنيا بمدينة عمان الأردنية في أواخر أكتوبر 2017 عن عمر ناهز 85 عاماً. وكالكثير من أبناء فلسطين الذين اضطروا للنزوح إلى دول الجوار بعد حرب 1948، عاش حطاب وترعرع وأكمل تعليمه النظامي في الأردن، قبل أن ينتقل إلى مصر لمواصلة تعليمه الجامعي. في مصر، التحق حطاب بجامعة القاهرة، طالباً بكلية آداب اللغة الإنجليزية، التي منحته درجة الليسانس في عام 1955، لينتظر بعدها عدة سنوات إلى أن تهيأت له الظروف لمواصلة تعليمه العالي الذي أتمه في عام 1967 في جامعة لندن التي منحته درجة الماجستير عن أطروحة بعنوان «مذهب ريتشارد في النقد الأدبي». بعد ذلك واصل دراسته بجامعة لندن إلى أن نال منها درجة الدكتوراه عن أطروحة بعنوان «أثر إليوت في الأدب العربي المعاصر».

من التدريس إلى قيادة المشهد الثقافي

بدأت مسيرته المهنية فور تخرجه من جامعة القاهرة، حيث كان ضمن الخريجين الفلسطينيين الذين تعاقدت معهم دائرة المعارف الكويتية للعمل بالكويت قبل استقلالها. وهكذا حل حطاب في الكويت وبدأ عمله مدرساً للغة الإنجليزية في العام الدراسي 1955/ 1956. وفي عام 1957 تم نقله للعمل بقسم اليونسكو في دائرة المعارف الكويتية. وفي الوقت نفسه قاده شغف العطاء والتثقيف من حوله إلى المساهمة في البرامج الثقافية لإذاعة الكويت مثل إعداد وتقديم برنامج «من المسرح العالمي» (استمر بثه لسبع سنوات من 1977 وحتى 1984، وضم 350 حلقة اشتملت على تعريف بالمؤلف وتلخيص لإحدى مسرحياته وتقديم شاهد من المسرحية ونقد له)، ثم إعداد وتقديم بعض البرامج المتلفزة من خلال تلفزيون الكويت مثل برنامج «الأدب في أسبوع» الذي داوم على تقديمه مع سليمان الشطي وعبدالعزيز السريع. إلى ذلك انشغل في هذه المرحلة من حياته بالترجمة، فقام بترجمة العديد من الدراسات والأبحاث والكتب ذات العلاقة بالتربية والتعليم والمسرح من الإنجليزية إلى العربية، ومنها: «منهج المدرسة الابتدائية» في عام 1965، و«وسائل وتقنيات جديدة في التربية» و«ناظر المدرسة الناجح» في عام 1966، و«فن السيرة الذاتية» في عام 1972. علاوة على قيامه في عام 1970 بترجمة أربع مسرحيات لكل من يونسكو وآداموف وأربال وألبي، صدرت ضمن سلسلة «من المسرح العالمي».

والحقيقة أن البصمة الإبداعية الحقيقية في تجربة حطاب جاءت من قيامه، وسط الظروف والأزمات السياسية والاجتماعية الصعبة التي أعقبت هزيمة حزيران، بطرق باب أصعب الترجمات، ونعني بذلك ترجمة الفنون المسرحية، بدءاً بترجمة «فن المسرحية» لفريد ميليت وجيرالد إيدس بنتللي، الذي نهل منه كبار مبدعي العمل المسرحي. ثم واصل الرجل تجربته الأدبية والفنية من خلال الاحتكاك بروّاد المسرح في فلسطين والأردن والكويت، وهو ما ساعده على تحريك الفضاء المسرحي العربي من خلال طرح أسئلة تناولت معضلات مثل: لماذا اختار مارتن إسلين مسرحيات يونسكو وبيكيت وجينيه وآداموف، لتكون نماذج حية بالجمع بين دفتي كتاب «مسرح العبث» النقدي؟

التحول المفصلي والتأثير المستمر

شكلت سنة 1977 منعطفاً مفصلياً في حياته امتد تأثيره الثقافي حتى أغسطس 1990 الذي شهد تدمير القوات العراقية الغازية لكل نبت ثقافي جميل زرعته الكويت. فخلال الفترة من 1977 وحتى 1990 شهدت انتقاله للعمل مديراً لدائرة الشؤون الثقافية والفنية في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت. واستمر ممسكاً بهذا المنصب حتى عام 1989، الذي تم فيه تعيينه مديراً للمشاريع الثقافية في المجلس ذاته حتى أغسطس 1990. وفي الوقت نفسه كان عضواً مؤسساً ونائباً لرئيس اللجنة الدائمة للثقافة العربية التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). كما شهدت تلك السنوات تألقه وإنجازاته الفكرية والأدبية والعلمية في الفضاء الكويتي والخليجي والعربي كواحد من الأسماء العربية ذات التأثير في الأدب المترجم والفكر العربي، خصوصاً أنه كان خلال هذه الفترة عضو هيئة التحرير في كل من: سلسلة «عالم المعرفة» من يناير 1978 وحتى أغسطس 1990، ومجلة «الثقافة العالمية» من عام 1981 وحتى عام 1990، قبل أن يخرج من الكويت مضطراً بسبب الغزو العراقي وتوقف الأنشطة الثقافية، ويستقر في الأردن حيث تولى رئاسة تحرير مجلة «المشكاة» الأردنية (مجلة علمية صادرة عن عمادة البحث العلمي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية بعمان) منذ عام 1992، ثم صار مديراً لتحرير «مجلة العلوم التطبيقية» الأردنية حتى عام 1998.

ونختتم بالإشارة إلى أن لحطاب ابنة اقتفت أثره، وهي الباحثة والكاتبة والأكاديمية الدكتورة «منن صدقي حطاب» التي وافتها المنية في 27 مارس 2016. إن إسهامات صدقي عبدالله حطاب في إثراء المحتوى الثقافي العربي، وخاصة عبر سلسلة «عالم المعرفة»، تظل شاهداً على رؤيته الثاقبة وتفانيه في خدمة الفكر والمعرفة، تاركاً إرثاً لا يزال يستلهم منه الأجيال.

spot_imgspot_img