في استحقاق سياسي وصفه كثيرون بأنه اختبار حقيقي في توقيت استثنائي، تصدرت قوائم محسوبة على حركة «فتح» وأنصار الرئيس الفلسطيني محمود عباس نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي شملت الضفة الغربية وبلدية دير البلح وسط قطاع غزة. تأتي هذه الانتخابات كأول مشاركة انتخابية من القطاع منذ نحو عقدين، وتحديدًا منذ انتخابات عام 2006، في ظل ظروف بالغة التعقيد تشهدها الأراضي الفلسطينية، خاصة مع استمرار الحرب والنزوح وتضرر البنية المدنية في غزة.
سياق تاريخي: مسيرة الديمقراطية الفلسطينية وتحدياتها
لم تكن مسيرة الديمقراطية في فلسطين بالسهلة أو المستقرة. فمنذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في منتصف التسعينيات، شهدت الأراضي الفلسطينية عدة جولات انتخابية، أبرزها الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عامي 1996 و2005/2006 على التوالي. كانت انتخابات 2006 التشريعية نقطة تحول محورية، حيث أسفرت عن فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد، مما أدى إلى انقسام سياسي وجغرافي عميق بين الضفة الغربية وقطاع غزة. منذ ذلك الحين، تعثرت الجهود لإجراء انتخابات عامة جديدة، وبقيت الانتخابات المحلية هي المتنفس الوحيد للتعبير الديمقراطي على مستوى القاعدة الشعبية، ومحاولة لتثبيت الشرعية المؤسسية للسلطة الفلسطينية.
تُعد هذه الجولة من الانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية، محاولة لتجديد الشرعيات المحلية وتعزيز الحكم الرشيد على مستوى البلديات والمجالس القروية. وقد أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية عن نتائج الانتخابات المحلية 2026، التي جرت في 183 هيئة محلية. أكدت اللجنة أن العملية الانتخابية نُفذت في ظروف وصفتها بـ«بالغة التعقيد» وسط الحرب والنزوح وتضرر البنية المدنية في القطاع.
مشاركة متفاوتة ودلالات سياسية
وفقًا للجنة، تجاوز عدد المقترعين 522 ألف ناخب وناخبة، بعد إدخال 95% من محاضر الفرز. بلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56%، بينما بلغت 23% فقط في دير البلح بقطاع غزة. أرجعت اللجنة هذه النسبة المنخفضة في غزة إلى ظروف النزوح، معتمدة على سجل مدني لا يعكس الواقع الحالي في القطاع. حملت مشاركة دير البلح دلالة سياسية لافتة، إذ جاءت لتؤكد حضور غزة في المسار الانتخابي الفلسطيني، رغم اقتصار الاقتراع داخل القطاع على مدينة واحدة فقط.
أظهرت النتائج تقدمًا لقوائم فتح ومؤيدي الرئيس عباس في عدد من الهيئات المحلية. وأفادت تقارير دولية بأن الحركة حققت حضورًا قويًا في الضفة الغربية، مع فوزها بستة مقاعد من أصل 15 في دير البلح، مقابل مقعدين لقائمة مرتبطة بـ«حماس»، التي قاطعت الانتخابات رسميًا ولم تقدم قوائم معلنة. هذا الاحتفال بنتائج فتح، واعتبارها مؤشرًا على حضورها السياسي، يكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا عند قراءة أوسع للاقتراع.
تحديات الانتخابات المحلية الفلسطينية وغياب التنافس الحقيقي
جرت هذه الانتخابات المحلية الفلسطينية في ظل غياب حركة «حماس» عن المنافسة الرسمية، وحسم 197 هيئة محلية بالتزكية، أي دون منافسة انتخابية فعلية. يضاف إلى ذلك ضعف المشاركة في بعض المدن الكبرى، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستوى التنافس وحجم التعبير الشعبي في ظل الانقسام والحرب. إن غياب التنافس الحقيقي في العديد من الهيئات المحلية، بالإضافة إلى الظروف الاستثنائية في غزة، يلقي بظلاله على مدى التمثيل الديمقراطي الذي تحققه هذه الانتخابات.
تأتي هذه الانتخابات الأولى التي تشمل جزءًا من قطاع غزة منذ انتخابات 2006، بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب في غزة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023. في وقت تسعى فيه السلطة الفلسطينية إلى تثبيت حضورها المؤسسي والسياسي، يطرح الاقتراع المحلي مدخلاً محتملاً لاستحقاقات وطنية أوسع. ومع ذلك، فإن التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية الهائلة التي تواجه الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى الانقسام المستمر، تجعل من أي عملية انتخابية خطوة معقدة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها تبقى ضرورية للحفاظ على بصيص الأمل في بناء دولة ديمقراطية مستقلة.


