في جلسة نقاشية حاسمة لمجلس الأمن الدولي حول الأوضاع في الشرق الأوسط، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، أن سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين تتعامل مع وقف إطلاق النار كترتيب أحادي الجانب لا يلزمها، مشدداً على أن الفلسطينيين هم من يدفعون الثمن الأكبر لهذه السياسات. وأشار أبو الغيط إلى أن الدول العربية، رغم سعيها لتجنب الصراعات، تعرضت لهجمات إيرانية عدوانية غير مبررة، لكنه لفت الأنظار إلى أن الأزمة الكبرى والمستديمة في المنطقة تكمن في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، وهو ما يجب ألا يغيب عن اهتمام المجتمع الدولي.
جذور الصراع وتحديات الاستقرار الإقليمي
تعود جذور الصراع في الشرق الأوسط إلى عقود طويلة من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، بالإضافة إلى أراضٍ عربية أخرى مثل الجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية. هذه الخلفية التاريخية من الاحتلال والتوسع الاستيطاني تشكل السبب الرئيسي لانعدام الاستقرار في المنطقة، وتتناقض بشكل صارخ مع مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة التي تدعو إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. إن تجاهل هذه الحقائق التاريخية والقانونية يغذي دوامة العنف ويقوض أي جهود حقيقية لتحقيق سلام دائم وعادل.
سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين: احتلال مستمر وتوسع استيطاني
وصف أبو الغيط السياسة الإسرائيلية بأنها «سياسة الحرب المستمرة»، التي تعتمد على المواجهة العسكرية الدائمة وقضم الأراضي في مناطق متعددة مثل غزة ولبنان وسوريا. وفي قلب هذه السياسة يبرز التوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية، والذي يهدف إلى تغيير الحقائق على الأرض وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. كما أشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، بوصفها «استيطانية توسعية»، تفتقر إلى رؤية حقيقية للسلام، وتعمل على إدامة «الصراع المستمر» بدلاً من البحث عن حلول. هذه الممارسات تتعارض مع روح ونصوص قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدعو إلى تسوية شاملة على أساس حل الدولتين، وتجعل من هذا الحل حلماً بعيد المنال.
فيما يتعلق بقطاع غزة، أكد الأمين العام أن إسرائيل تتعامل مع اتفاقيات وقف إطلاق النار، كتلك التي تم التوصل إليها في أكتوبر الماضي، كترتيبات أحادية لا تلتزم بها بالكامل. هذا النهج يؤدي إلى استمرار معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف إنسانية صعبة للغاية، دون أفق حقيقي لإعادة الإعمار أو تفعيل آليات الاستقرار الدولية. كما حذر أبو الغيط من مخطط إسرائيلي لضم الضفة الغربية عملياً من خلال تسريع وتيرة الاستيطان وخنق السلطة الفلسطينية مالياً عبر حجز أموال المقاصة، مما يهدد بانهيار السلطة ويزيد من تعقيد الأوضاع.
تداعيات خطيرة على السلام الإقليمي والدولي
إن استمرار سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين القائمة على الاحتلال والتوسع الاستيطاني له تداعيات خطيرة تتجاوز حدود الأراضي المحتلة لتؤثر على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. هذه السياسات تقوض مصداقية القانون الدولي وتعيق جهود المجتمع الدولي الرامية إلى حل الصراعات سلمياً. كما أنها تغذي مشاعر الإحباط واليأس لدى الشعوب العربية، مما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد والعنف. إن الوهم بأن القوة العسكرية وحدها يمكن أن تحقق الأمن هو مجرد سراب، فالحقيقة التاريخية تؤكد أن الأمن الحقيقي ينبع من السلام القائم على العدل واحترام الحقوق المشروعة للشعوب.
دعوات للعدالة والسلام المستدام
اختتم أبو الغيط كلمته بدعوة مجلس الأمن الدولي إلى الاضطلاع بدور فعال وحقيقي لتحقيق العدالة والسلام في المنطقة. وأكد أن الأمن لا يمكن أن يتحقق بالأسلحة والقوة العسكرية، بل بالسلام العادل الذي يضمن حقوق جميع الأطراف. كما جدد الدعم الكامل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مطالباً بحمايتها من محاولات تصفيتها، نظراً لدورها الحيوي في توفير الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين. إن تحقيق السلام المستدام يتطلب التزاماً دولياً بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.


