أعلنت الصفحة الرسمية للمفكر والباحث البارز مختار نوح عبر موقع “فيسبوك” عن وفاته قبل قليل، بعد مسيرة امتدت لسنوات من العمل العام والإسهامات الفكرية. يُعد رحيل مختار نوح خسارة كبيرة للمشهد الفكري والسياسي، خاصةً وأنه كان من أبرز الشخصيات التي أعلنت انشقاقها عن جماعة الإخوان المسلمين وتحولت إلى ناقد صريح وفعال لتوجهاتها وأساليبها. وقد أوضحت الصفحة أن صلاة الجنازة ستقام اليوم (الأربعاء) عقب صلاة العصر بمسجد مصطفى محمود، على أن يُوارى جثمانه الثرى في مقابر العائلة بمدينة السادس من أكتوبر.
مختار نوح: مسيرة فكرية من القيادة إلى النقد الجريء
كان مختار نوح، المحامي والقيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين، شخصية محورية في المشهد المصري، حيث بدأ مسيرته ضمن صفوف الجماعة التي تأسست عام 1928 على يد حسن البنا، ولعبت دوراً كبيراً في الحياة السياسية والاجتماعية بمصر على مدار عقود. شهدت الجماعة فترات صعود وهبوط، من القمع إلى المشاركة السياسية، وصولاً إلى وصولها للحكم لفترة وجيزة بعد ثورة 25 يناير 2011. خلال هذه المراحل، كان نوح أحد قياداتها البارزة، مطلعاً على تفاصيل بنيتها التنظيمية وأيديولوجيتها الداخلية.
إلا أن مساره الفكري شهد تحولاً جذرياً بعد انشقاقه عن الجماعة، ليصبح واحداً من أشد منتقديها. جاء هذا الانشقاق في سياق تحولات سياسية كبرى شهدتها مصر، خاصة بعد عام 2013، حيث تصاعدت حدة الجدل حول دور الجماعة ومستقبلها. في هذه الفترة، برز نوح كصوت معارض قوي، مستنداً إلى خبرته الطويلة داخل التنظيم لتقديم تحليلات نقدية عميقة كشفت عن ما وصفه بالانحرافات الداخلية والأساليب التنظيمية التي يراها خاطئة. وقد أثرت شهاداته وكتاباته في تشكيل جزء كبير من الرأي العام حول طبيعة الجماعة وأهدافها.
تأثيره على المشهد السياسي وفهم جماعة الإخوان
خلال السنوات الماضية، لم يكتفِ مختار نوح بالانتقاد فحسب، بل شارك بفاعلية في العديد من النقاشات العامة المتعلقة بقضايا التطرف والإرهاب، مقدماً رؤى مستنيرة مبنية على تجربته الشخصية ومعرفته الواسعة. كانت إسهاماته الفكرية والإعلامية ذات أهمية بالغة، حيث ساهم في إلقاء الضوء على الجوانب الخفية في بنية الجماعات الإسلامية، وكشف عن آليات عملها وتأثيرها على المجتمع. لقد كان صوته يمثل مرجعية للكثيرين ممن سعوا لفهم أعمق لديناميكيات هذه التنظيمات، مقدماً وجهة نظر من الداخل لا يمكن تجاهلها.
إن رحيل شخصية بحجم مختار نوح يترك فراغاً كبيراً في الساحة الفكرية، خاصة في مجال تحليل الحركات الإسلامية. فإسهاماته لم تكن مجرد آراء عابرة، بل كانت نتاج مسيرة طويلة من التفكير والتحليل، مما جعله مصدراً موثوقاً للمعلومات والتحليلات حول جماعة الإخوان المسلمين وتأثيرها على المستويين المحلي والإقليمي. سيظل إرثه الفكري شاهداً على أهمية النقد الذاتي والشجاعة في التعبير عن الرأي، حتى وإن كان مخالفاً للتيار السائد.


