جدد رئيس الوزراء السوداني، كمال إدريس، دعوته للمواطنين السودانيين في دول المهجر للعودة الطوعية والاختيارية إلى العاصمة القومية الخرطوم، مؤكداً أنها باتت “آمنة ومستقرة”. تأتي هذه الدعوة في سياق جهود الحكومة السودانية لإعادة الحياة إلى طبيعتها في العاصمة بعد أشهر من الصراع، وتعتبر خطوة مهمة نحو تعزيز العودة الطوعية للخرطوم وإعادة بناء الثقة.
جاء ذلك خلال تفقد إدريس، مساء أمس الجمعة، الساحة الخضراء بالخرطوم برفقة والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة، بحسب ما ذكرت وكالة السودان للأنباء (سونا) اليوم السبت. وأشاد رئيس الوزراء السوداني بالجهات التي ساهمت في إعادة تأهيل الساحة الخضراء بعد أن تعرضت لتخريب متعمد من قبل قوات الدعم السريع، مؤكداً أهميتها كمرفق عام ومتنفس يرتاده الأسر بكثافة لإقامة الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية. ووجه بمواصلة أعمال التأهيل الجارية، خاصة تأهيل المضمار وصالة الألعاب الرياضية.
الخرطوم في قلب الأزمة: سياق تاريخي للصراع
يشهد السودان حرباً مدمرة منذ منتصف شهر أبريل من العام 2023، اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. وقد تحولت العاصمة الخرطوم، التي كانت يوماً مركزاً حيوياً للنشاط الاقتصادي والثقافي، إلى ساحة معارك رئيسية، مما أدى إلى نزوح جماعي للسكان وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية. هذه الحرب لم تكن مفاجئة تماماً، بل جاءت بعد توترات سياسية وعسكرية متصاعدة عقب الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، الذي أطاح بالحكومة الانتقالية المدنية، وأعاد تشكيل المشهد السياسي السوداني بشكل جذري. الصراع الحالي هو تتويج لتنافس طويل الأمد على السلطة والموارد بين القوتين العسكريتين الرئيسيتين في البلاد.
تداعيات الصراع: أزمة إنسانية غير مسبوقة
وصفت الأمم المتحدة الصراع في السودان بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث نزح نحو 12 مليون شخص جراء القتال، سواء داخل البلاد أو إلى الدول المجاورة. ويواجه نصف عدد السكان صعوبة في الحصول على الغذاء، مع تفاقم الأوضاع المعيشية وتدهور الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني، وتجعل من أي دعوة للعودة إلى الديار أمراً بالغ الأهمية، وإن كان محفوفاً بالتحديات.
أهمية دعوة العودة الطوعية للخرطوم وتأثيرها المحتمل
تمثل دعوة رئيس الوزراء لـ العودة الطوعية للخرطوم خطوة رمزية وعملية في آن واحد. على الصعيد المحلي، تهدف هذه الدعوة إلى بث الأمل في نفوس المواطنين وإعادة الثقة في قدرة الدولة على استعادة الأمن والاستقرار. عودة السكان تعني بداية لإعادة إعمار المدن، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تمزق بفعل الحرب. كما أنها قد تخفف الضغط على الدول المضيفة للاجئين السودانيين، وتساهم في استقرار المنطقة ككل. دول الجوار، مثل مصر وتشاد وإثيوبيا، تأثرت بشكل مباشر بتدفق اللاجئين، وأي تحسن في الوضع السوداني سينعكس إيجاباً على استقرارها. على الصعيد الدولي، قد تشجع هذه الدعوة المجتمع الدولي على تكثيف جهوده لدعم السلام وإعادة الإعمار في السودان، وتقديم المساعدات اللازمة لضمان عودة كريمة وآمنة للنازحين. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو ضمان استدامة الأمن وتوفير الخدمات الأساسية لضمان عدم تكرار النزوح.
بينما تواصل الحكومة السودانية جهودها لإعادة تأهيل المرافق العامة وتأمين العاصمة، تبقى العودة الطوعية للخرطوم مرهونة بتحقيق سلام شامل ومستدام، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة بشكل دائم للمواطنين. إن إعادة تأهيل الساحة الخضراء وغيرها من المرافق الحيوية هي جزء من هذا المسعى، ولكن الطريق نحو التعافي الكامل لا يزال طويلاً ويتطلب تضافر الجهود الوطنية والدولية.


