يُتوّج الشاعر الكبير عبد الوهاب الملوح مسيرته الشعرية الحافلة بإصداره العاشر، مجموعة على هيئة اللامرئي، ليقدم للقراء والمهتمين بالشعر العربي إضافة نوعية تثري المشهد الثقافي. يأتي هذا العمل الجديد ليؤكد على استمرارية تجربة الملوح الشعرية العميقة، التي طالما تميزت بمسارها الخاص ورؤيتها الفلسفية المتفردة. فمنذ بداياته المبكرة، رسم الملوح لنفسه طريقاً شعرياً لا يحيد عن مبادئه، متجنباً صخب المنصات ومحافظاً على رصانة «الواقف وحده»، وهو ما يتجلى بوضوح في هذا الإصدار الجديد.
رحلة شعرية متفردة: مسيرة الملوح وإرثه الأدبي
لطالما كان الشاعر عبد الوهاب الملوح صوتاً مميزاً في الساحة الشعرية العربية، حيث بنى إرثاً أدبياً راسخاً عبر سنوات طويلة من العطاء والإبداع. تجسدت تجربته الشعرية الشفيفة في أعمال سابقة مثل «رقاع العزلة الأخيرة» و«كتاب العصيان»، التي عكست عمق تفكيره وتأمله في الوجود الإنساني. لم ينجرف الملوح يوماً وراء تيارات البهرجة أو صيحات العصر، بل ظل متمسكاً بمبادئه الفنية والفكرية، وكأنه يردد دائماً «أنا هكذا دائماً». هذه الاستقلالية الفكرية والفنية هي ما منحت شعره تلك الأصالة والقدرة على مخاطبة الروح والعقل معاً، وجعلته يحتل مكانة مرموقة بين أقرانه من الشعراء الكبار. إن إصداره العاشر هذا ليس مجرد إضافة عددية، بل هو تتويج لمسيرة فنية متكاملة، تعمق في ثيمات العزلة، البحث عن الذات، ومواجهة القلق الوجودي.
«على هيئة اللامرئي»: استكشاف أعماق الوجود والعزلة
تأتي مجموعة على هيئة اللامرئي لتكشف عن فصل جديد في رحلة الملوح الشعرية، حيث يتعمق الشاعر في استكشاف ما وراء الظاهر، محاولاً تجسيد المفاهيم المجردة والمشاعر الخفية. يوحي العنوان نفسه برغبة الشاعر في الغوص في عوالم غير مرئية، ربما تكون عوالم الروح أو اللاوعي، أو حتى تلك الحقائق التي تتوارى عن الأعين. هذه المجموعة، التي صدرت عن دار أبجديات للنشر، وتزين غلافها بريشة الفنان التونسي علي فاخت، تعد وثيقة شعرية تسجل سيرة «الشعراء اللامرئيين» وتوثق رحلة العاشق في منفاه الأخير، كما جاء في وصفها. إنها دعوة للتأمل في معنى الحضور والغياب، وفي كيفية تجلي الوجود في أشكاله الأكثر خفاءً وعمقاً، مما يضيف بعداً فلسفياً جديداً للمكتبة الشعرية العربية.
قصيدة “المتعبون”: نافذة على رؤية الملوح الفنية
من بين نصوص هذه المجموعة، تبرز قصيدة “المتعبون” كنموذج حي لرؤية الملوح الفنية ولغته الشعرية المكثفة. القصيدة تفتح عيناً مفتوحة على شرارات معلقة تتدلى منها سعال الذاكرة، وتتحدث عن جدران تسعل بدورها، ونهار يعود معطوباً. إنها صور شعرية قوية تعكس حالة من الإرهاق الوجودي والبحث عن المعنى في عالم يبدو معطوباً. يعبر الشاعر عن إحساسه بالضياع والبحث عن طريق لا يعرفه، وعن هوية تحرسه من مكائد الرياح الممطرة. هذه القصيدة، كغيرها من نصوص المجموعة، ليست مجرد كلمات، بل هي تجربة حسية وفكرية تدعو القارئ إلى مشاركة الشاعر في رحلته الداخلية، وتأمل في معنى التعب، الأمل، والوجود.
من غير المعقول أن تبدأ القصيدة بعين مفتوحة:
الشرارات المعلقة نُدبات يتدلى منها سعال الذاكرة،
الجدران تسعل بدورها،
والنهار يعود معطوباً.
أنا المعطوب،
ما زلت أتدرب على النقصان،
ألهو بعمري دمية أُهملها في كل مرة بعصي علامات إعراب الأيديولوجيات البائسة.
(مشينا أبعد منا)
مشينا أبعد منا،
مشينا بأحذية من حجر،
يحدثنا عرق الطريق التي لا نعرفها،
ويحدثنا هواء يحرسنا من مكائد لصوص الرياح الممطرة.
نحن ما لم تُصرح به لوحاتنا،
ونحن مشقّة أمزجتنا.
تعتقنا خطانا من كسل الأمل،
من أسف الخيبات،
من خوف عالق بنا كأسمائنا،
من ظلالنا التي تحوم من حولنا،
من لصوص الرياح الممطرة.
تعتقنا من خطانا.
نحن الذين مشينا أبعد منا ولم ندرك المسافة فينا.
كان لنا أدلاء لم يدركوا بدورهم ماذا نريد.
توقفوا بنا عند آبار ماء عذب، ولم نكن بحاجة إلى ماء.
توقفوا بنا عند أشجار ترقص وأنهار تعزف، ورأينا تراباً يشدوا.
لم نكن متعبين، غير أننا لم نكن بحاجة إلى الغناء.
(العمق)
الحقائق التي لا تنام ليلاً لا تزعج أحداً.
ليس البحر، كما تعتقدون، أشد عمقاً،
والسماء التي تتعالى ليست بدورها أكثر علواً،
الأيام لا تتوالى،
تخفق أحياناً في اكتمال استدارتها وتلتف حول نفسها.
سيكفي القليل من الطيش ليكف العمر عن الكذب،
وتخلع الأشجار قمصانها نكاية في عدالة الفصول المزعومة.
لم يكن وودستوك مجرد احتفال شهواني،
أو ملصقات إشهار لتعميم فائدة الفوضى في زمن الانتحار الجماعي.
كم كان مذهلاً أن تحمل أجنحة الفراشات نشوة الكون!
وتكذب التفاحة صلاة نيوتن الأخيرة.
والأمر لا يتعلق بعواء غينسبرغ أو طريق كيرواك أو تفاحة كوبريك.
فالزهرة لم تعد تحتمل عطرها المحبوس في أرشيف المستقبل.
كانت الأشجار تجيد مزج الروح بالبلوز،
أما الهواء، فقد تخلى عن حياديته وصار أقل حياء.
كان لا بد من كسر رقبة الوقت،
وابتكار عاطفة أخرى أعمق من البحر وأعلى من السماء وأكثر صمتاً من الحقائق.
كان لا بد من موسيقى بلا إيقاع، بكاء بلا دموع، فرح بلا ضحك، رقص بلا طبول، شجن بلا حزن.
ذلك هو العمق. المسافر وليس له في السراب سوى أن يعانده بالمزيد من المشي.
ليس كما اتفق الوهم،
ليس كما جاء في سفر داوود والتيه في البيد.
وهو الذي شردته رؤاه.
تضيع خطاه حيث لا شيء غير خطاه.
لا شيء أضيق من خطوة في الخلاء.
سيمضي بعيداً،
كجرح سرى في الخلايا حريقاً.
وينأى به عرق الحلم.
أرصفة للتسكع والعيش.
يكسر معنى الغياب:
يُحرفه.
ليس في حاجة ليكون.
هو الآن ما لن يكون.
فليت المسافر يذهب أبعد من حلمه،
أو يلم الطريق ظل سراب.
تأثير الإصدار الجديد على المشهد الثقافي العربي
إن إصدار مجموعة على هيئة اللامرئي لا يمثل حدثاً مهماً في مسيرة الشاعر عبد الوهاب الملوح فحسب، بل هو أيضاً إضافة قيمة للمكتبة الشعرية العربية ككل. في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير فيه أساليب التعبير، يأتي هذا العمل ليذكرنا بأهمية الشعر العميق الذي يتجاوز السطحية ويلامس جوهر الوجود الإنساني. من المتوقع أن يثير هذا الإصدار نقاشات أدبية وفكرية واسعة بين النقاد والقراء، وأن يلهم جيلاً جديداً من الشعراء لاستكشاف آفاق أعمق في الكتابة. كما يعزز هذا العمل مكانة الشعر كفن قادر على التعبير عن تعقيدات النفس البشرية وتحديات العصر، مما يسهم في إثراء الحوار الثقافي على المستويين المحلي والإقليمي، وربما يتجاوز ذلك ليجد صدى عالمياً بفضل عمق مضامينه الإنسانية.
يؤكد الملوح من خلال هذه المجموعة على أن الشعر الحقيقي لا يزال قادراً على الصمود والتأثير، مقدماً رؤية فنية لا تخشى الغوص في المجهول واللامرئي، ومثبتاً أن الكلمة المتقنة لا تزال تمتلك القدرة على إحداث فرق في عالمنا المعاصر.


