spot_img

ذات صلة

السعودية تضع معايير جديدة لـ الرفق بالحيوان في النقل

في خطوة رائدة تعكس التزامها المتزايد بمعايير الرفق بالحيوان، اقترحت وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية دليلاً شاملاً يهدف إلى تنظيم نقل الثروة الحيوانية ومنتجاتها عبر مختلف وسائل النقل. يأتي هذا المقترح في سياق جهود المملكة لسد منافذ الأوبئة، وتكريس مبادئ الرفق بالحيوان في النقل، وتطبيق عقوبات صارمة على المخالفين. هذه المبادرة تضع المملكة في مصاف الدول التي تولي اهتماماً بالغاً لحماية الحيوانات، وتؤكد على رؤيتها الشاملة للتنمية المستدامة التي تشمل جميع الكائنات الحية.

نحو منظومة تشريعية متكاملة لحماية الحيوانات

لا يمثل هذا الدليل مجرد مجموعة من القواعد، بل هو جزء من منظومة تشريعية متكاملة تسعى لإحكام الرقابة التامة على حركة نقل الحيوانات الحية داخل وخارج السعودية. يهدف المشروع إلى ضمان رحلة آمنة ومريحة للحيوانات، بدءاً من لحظة تحميلها وحتى وصولها لوجهتها النهائية. من أبرز ملامح هذا الدليل هو تحذير الناقلين من تجاوز مدة ثماني ساعات متواصلة في مسارات النقل دون منح الحيوانات فترات راحة حتمية وتقديم الماء والغذاء، وهو ما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال.

وقد شددت الوزارة على أن المخالفين لهذه الاشتراطات سيكونون عرضة لعقوبات صارمة، مؤكدة على إلزامية الحصول على ترخيص إضافي من الوزارة لكل وسيلة نقل تشرع في شحن الثروة الحيوانية أو منتجاتها. هذا الإجراء يضمن أن جميع الجهات العاملة في هذا القطاع تلتزم بالمعايير المحددة وتخضع للرقابة المستمرة.

حظر الممارسات القاسية: تعزيز الرفق بالحيوان

يُعد حظر الممارسات القاسية أحد أهم ركائز هذا الدليل. فقد منع المشروع نقل الحيوانات المريضة أو المنتجات المشتبه بإصابتها دون نيل موافقة مسبقة ومكتوبة، كما حظر نقل الحيوانات من وإلى مناطق الحظر الوبائي التي يتم إعلانها في أي بقعة جغرافية. ولضمان تطبيق هذه المعايير، مُنحت صلاحيات ميدانية واسعة للموظفين المخولين، تتيح لهم إيقاف وسائل النقل المارّة للتأكد من خضوعها التام لمعايير الرفق بالحيوان في النقل.

كما حظرت الوزارة بشكل قاطع استخدام الوسائل المؤلمة كالسياط، ولي الذنب، والضغط على الأعين لتهيئة الحيوانات وحثها على الحركة. ومُنع بشكل خاص استخدام الصعق الكهربائي في الأماكن الحساسة للحيوان، وهي ممارسات كانت شائعة في الماضي وتسبب معاناة كبيرة للحيوانات. هذه الإجراءات تعكس التزاماً أخلاقياً عميقاً تجاه الكائنات الحية وتتوافق مع التعاليم الإسلامية التي تحث على الإحسان للحيوان.

معايير نقل متقدمة للثروة الحيوانية

لم يقتصر الدليل على حظر الممارسات السلبية، بل وضع أيضاً معايير إيجابية لضمان بيئة نقل مثالية. فقد ألزم التشريع أصحاب الشاحنات البرية بتوفير مساحات هندسية محددة لكل حيوان لتجنب خطر التكدس، مع اشتراط وجود تهوية ميكانيكية أو طبيعية فعالة تعمل حتى أثناء التوقف. كما يجب تصميم أرضيات المركبات بطريقة محكمة تمنع تساقط الفضلات على الطرقات العامة أو على الحيوانات القابعة في الطبقات السفلية، مما يقلل من انتشار الأمراض ويحافظ على نظافة البيئة.

وفيما يخص النقل البحري، اشترط الدليل ألا تتجاوز مساحة الحظيرة الواحدة داخل السفن أكثر من 40 متراً ونصف المتر المربع، مع تواجد عيادة بيطرية مجهزة واحدة على الأقل في قلب السفينة للتعامل الفوري مع أي طوارئ صحية أثناء الإبحار. هذه الاشتراطات تضمن استجابة سريعة لأي مشكلات صحية قد تواجه الحيوانات خلال الرحلات الطويلة.

تأثيرات واسعة: صحة، اقتصاد، وسمعة دولية

يمتد تأثير هذا الدليل ليشمل جوانب متعددة تتجاوز مجرد حماية الحيوانات. على الصعيد الصحي، ستساهم هذه الإجراءات في سد منافذ الأوبئة وتقليل مخاطر انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، مما يعزز الأمن الغذائي والصحة العامة في المملكة. اقتصادياً، ستؤدي هذه المعايير إلى تقليل نسبة النفوق والخسائر التي يتعرض لها المربون والتجار بسبب سوء النقل، مما ينعكس إيجاباً على سلاسل الإمداد ويزيد من كفاءتها.

كما نبّه الدليل بشكل صارم من شحن إناث الحيوانات في فترات الحمل المتقدمة؛ لتجنيبها مخاطر وآلام الولادة في الأجواء المعزولة. ووضع إطاراً زمنياً حازماً يقضي بألا تزيد رحلة نقل الطيور الحية على 12 ساعة كحد أقصى منذ لحظة الإمساك بها، مع تخصيص عمليات شحن الطيور في الصباح الباكر أو المساء هرباً من ضربات الإجهاد الحراري الناجم عن أشعة الشمس الحارقة. هذه التفاصيل الدقيقة تعكس فهماً عميقاً لاحتياجات الحيوانات المختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، ألزم المقترح سيارات النقل المبرد بالحفاظ على درجات حرارة تتأرجح بين -1 و10 درجات مئوية للعمليات المبردة، ووصول درجة التبريد إلى -18 درجة مئوية للمنتجات المجمدة، مقروناً بوجود أجهزة رقمية لتسجيل الحرارة بصفة مستمرة. هذه المعايير تضمن جودة وسلامة المنتجات الحيوانية المستوردة والمصدرة.

على المستوى الإقليمي والدولي، تعزز هذه المبادرة مكانة المملكة كدولة رائدة في تطبيق أفضل الممارسات العالمية في مجال الرفق بالحيوان في النقل. إن الالتزام بهذه المعايير يفتح آفاقاً أوسع للتعاون التجاري مع الدول التي تفرض شروطاً صارمة على استيراد المنتجات الحيوانية، ويعكس صورة إيجابية عن المملكة كشريك موثوق وملتزم بالمعايير الأخلاقية والبيئية. هذه الخطوة تتماشى مع رؤية المملكة 2030 التي تسعى لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في جميع القطاعات.

spot_imgspot_img