في خطوة دبلوماسية تصعيدية، أعلنت وزارة الخارجية النمساوية اليوم (الاثنين) طرد ثلاثة دبلوماسيين روس، واصفة إياهم بـ «أشخاص غير مرغوب فيهم». يأتي هذا القرار الحاسم على خلفية شبهات قوية تتعلق باستخدام شبكة كثيفة من الهوائيات المثبتة على أسطح المباني الدبلوماسية الروسية في فيينا لأغراض التجسس الروسي في النمسا. وقد أكدت الوزارة في بيان رسمي أن «من غير المقبول استخدام الحصانة الدبلوماسية لارتكاب أعمال تجسس»، مشيرة إلى أن الدبلوماسيين الثلاثة قد غادروا الأراضي النمساوية بالفعل.
فيينا: عاصمة الدبلوماسية وساحة التجسس
تُعد فيينا، العاصمة النمساوية، مركزاً دبلوماسياً دولياً بارزاً، حيث تستضيف العديد من المنظمات الدولية الكبرى مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) ومكاتب الأمم المتحدة. هذا الوضع الفريد، بالإضافة إلى حياد النمسا التقليدي، جعلها على مر التاريخ نقطة جذب للأنشطة الدبلوماسية والسياسية، وكذلك للعمليات الاستخباراتية. فخلال الحرب الباردة، اكتسبت فيينا سمعة كـ «عاصمة الجواسيس»، وهي سمعة لم تتلاشَ تماماً في العصر الحديث. إن وجود هذا العدد الكبير من البعثات الدبلوماسية والمنظمات الحساسة يجعلها بيئة خصبة لجمع المعلومات، سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة.
«غابة الهوائيات»: تكتيكات التجسس الروسي في النمسا
تركزت الشبهات النمساوية حول ما أُطلق عليه «غابة الهوائيات» المثبتة على أسطح السفارة الروسية والبعثة الروسية الدائمة لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في فيينا. يُعتقد أن هذه الهوائيات تُستخدم لاعتراض الاتصالات والإشارات الإلكترونية، وجمع معلومات استخباراتية حساسة، خصوصاً تلك المتعلقة بالمنظمات الدولية الموجودة في العاصمة النمساوية. هذا النوع من التجسس الروسي في النمسا، المعروف باسم استخبارات الإشارات (SIGINT)، يُعد شكلاً متطوراً من التجسس يهدف إلى جمع البيانات من خلال اعتراض الإشارات الإلكترونية. بدأت التحقيقات النمساوية بعد رصد أجهزة الاستخبارات المحلية لهذه التركيبات المشبوهة، مما أدى إلى استدعاء السفير الروسي في منتصف أبريل لمناقشة الأمر. وعندما لم تستجب روسيا للمطالب النمساوية برفع الحصانة عن المشتبه بهم أو إزالة التجهيزات، قررت النمسا اتخاذ إجراء الطرد.
تصاعد التوتر: سياق العلاقات الروسية الأوروبية
يأتي هذا الطرد في سياق أوسع من التوترات المتصاعدة بين روسيا والدول الأوروبية، خاصة منذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022. لقد أدت هذه الحرب إلى زيادة اليقظة الأوروبية تجاه الأنشطة الروسية، بما في ذلك الأنشطة الاستخباراتية. ومنذ بداية الصراع، طردت النمسا 14 دبلوماسياً روسياً حتى الآن، مما يعكس تحولاً في موقفها تجاه الأنشطة التي تعتبرها تهديداً لأمنها القومي أو انتهاكاً للقوانين الدولية. ورغم هذه الطرود، لا يزال هناك نحو 500 دبلوماسي روسي في البلاد، ويُعتقد أن ثلثهم تقريباً يعملون في مجال الاستخبارات، وفقاً لتقارير استخباراتية سابقة، مثل تقرير فايننشال تايمز الذي أشار في مارس 2023 إلى توسع روسي هادئ في أنشطة الاستخبارات الإشارية في فيينا، مستفيداً من الحياد النمساوي التقليدي.
تداعيات الطرد: رسالة حازمة من فيينا
من جانبها، نددت السفارة الروسية في فيينا بالقرار، ووصفته بأنه «غير مبرر»، وأكدت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو «سترد بشكل حازم ومتكافئ» على هذه الخطوة، مما يشير إلى احتمال طرد دبلوماسيين نمساويين من روسيا. إن هذا التطور الدبلوماسي يبعث برسالة واضحة من النمسا مفادها أنها لن تتسامح مع انتهاكات سيادتها أو استغلال حصاناتها الدبلوماسية لأغراض التجسس، حتى مع سعيها للحفاظ على موقفها الحيادي. على الصعيد الإقليمي والدولي، تعكس هذه الحادثة النمط المتزايد للعمليات الاستخباراتية الروسية في أوروبا، وتؤكد على التحديات التي تواجهها الدول الأوروبية في موازنة العلاقات الدبلوماسية مع حماية أمنها القومي في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.


