spot_img

ذات صلة

مجلس الشورى: تحصين الهوية الوطنية وتعزيز الوحدة

لطالما سعى الإنسان، منذ فجر الحضارات، إلى الانتماء والعيش ضمن أطر اجتماعية تضمن له الأمن والاستقرار. فمن التجمعات القبلية البدائية إلى نشأة الدولة الوطنية الحديثة، كان البحث عن حاضنة قوية تحمي الفرد ومكتسباته دافعًا أساسيًا. وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسات التشريعية في تحصين الهوية الوطنية، وصونها من التحديات المختلفة. لقد أدركت الشعوب الواعية أهمية الانضواء تحت لواء الدولة الوطنية، والاندماج في مؤسساتها، مكتسبةً بذلك هوية وطنية جامعة تتجاوز الولاءات الضيقة.

الجذور التاريخية للوحدة الوطنية السعودية

يُعد النموذج السعودي في بناء الوحدة الوطنية مثالاً فريداً، حيث قامت الدولة السعودية الحديثة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي نجح في توحيد أقاليم شاسعة ومتباينة ثقافياً واجتماعياً، مثل نجد والحجاز وعسير والمنطقة الشرقية. لم يكن هذا التوحيد مجرد ضم أراضٍ، بل كان عملية بناء هوية جامعة تحت مظلة حكم واحد، مع احترام التنوع الثقافي والاجتماعي للقبائل والمناطق. لقد أتاحت هذه الوحدة الجامعة فرصاً متساوية لمختلف الشرائح، رجالاً ونساءً، للمساهمة في بناء الكيان وتعزيز الانتماء، وفق منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات. هذا النهج الحكيم في التعامل مع الموروثات الاجتماعية، وعدم إلغائها، بل دمجها ضمن إطار وطني أوسع، هو ما عزز خيار الاندماج وتقديس الوحدة الوطنية.

أهمية تحصين الهوية الوطنية في عالم متغير

إن قوة أي أمة تكمن في تماسك هويتها الوطنية، فهي الركيزة الأساسية للاستقرار الداخلي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة، وتأثير العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، يصبح تحصين الهوية الوطنية ضرورة ملحة لا ترفاً. فالهوية الوطنية القوية تحمي المجتمع من الاختراقات الفكرية، وتعزز قيم المواطنة الصالحة، وتوجه الطاقات نحو خدمة الوطن. إن التهاون في إعلاء شأن الحواضن الصغرى على حساب الكيان الأكبر قد يؤدي إلى صراعات داخلية، كما شهدت مجتمعات أخرى تساهلت في هذا الجانب ووقعت في حروب كبرى. لذا، فإن استشعار المسؤولية تجاه أي تصرفات غير مسؤولة، سواء كانت نابعة من تعصب قبلي أو مزايدات شعاراتية، ومسارعة الجهات المعنية، مثل وزارة الداخلية، لمحاسبة المتورطين فيها، هو دليل على يقظة الدولة وحرصها على أمن المجتمع وسلامته.

مجلس الشورى: صمام أمان للوحدة والتشريع

يظل الأمل كبيراً في مجلس الشورى، بصفته جهة تشريعية ورقابية محورية في المملكة. فالمجلس، المستمد من مبدأ الشورى الإسلامي العريق، معني فقهاً وقانوناً بتشريع ما يحصّن وحدتنا الوطنية ويعيد الأمور إلى نصابها. من خلال دراسة الأنظمة والقوانين واقتراح التعديلات اللازمة، يمكن للمجلس أن يلعب دوراً حاسماً في تعزيز قيم المواطنة، وتجريم كل ما يمس باللحمة الوطنية، وحماية النسيج الاجتماعي من أي محاولات للتفتيت أو إثارة النعرات. إن دوره لا يقتصر على الجانب التشريعي فحسب، بل يمتد ليشمل الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية لضمان تطبيق الأنظمة التي تدعم تحصين الهوية الوطنية، مما يجعله صمام أمان حقيقياً لمستقبل المملكة وازدهارها.

spot_imgspot_img