أفصحت تقييمات استخباراتية أمريكية استقتها وكالة «رويترز» من مصادر مطلعة، أن الحرب على إيران أخفقت حتى الآن في إزالة مخاوف الولايات المتحدة بشأن قدرة طهران على استئناف البرنامج النووي الإيراني نحو عام لبناء سلاح نووي. وحسب هذه التقييمات، فإن الوقت الذي ستحتاجه إيران لبناء سلاح نووي لم يتغير منذ الصيف الماضي، على الرغم من القصف الأمريكي الإسرائيلي المتكرر للمنشآت النووية في نطنز وفوردو وأصفهان. وأفادت المصادر بأن إيران ستحتاج نحو عام واحد لبناء سلاح نووي إذا قررت قيادتها المضي قدماً في هذا الخيار بشكل سريع.
جذور البرنامج النووي الإيراني وتطوراته
يعود تاريخ البرنامج النووي الإيراني إلى خمسينيات القرن الماضي، بدعم من الولايات المتحدة في إطار برنامج “الذرة من أجل السلام”. بعد الثورة الإسلامية عام 1979، تباطأ البرنامج لفترة قبل أن يستأنف وتتزايد المخاوف الدولية بشأنه، خاصة مع الكشف عن منشآت سرية مثل نطنز وفوردو. هذه التطورات أدت إلى فرض عقوبات دولية مشددة على إيران، وبلغت ذروتها بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). كان الهدف من الاتفاق هو تقييد قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات. ومع ذلك، أدى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات إلى تراجع إيران عن التزاماتها، مما أثار موجة جديدة من التوترات وزاد من مستويات تخصيب اليورانيوم لديها.
أنفاق أصفهان واليورانيوم المخصب: لغز يثير القلق
تذكر المصادر أن التقييمات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني لا تزال إلى حد كبير بلا تغيير، حتى بعد حرب 28 فبراير الماضي. ونقلت رويترز عن مصادرها قولها: إن حدوث تعثر كبير للبرنامج النووي الإيراني قد يتطلب تدمير أو إزالة ما تبقى لدى إيران من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. وعلى الرغم من وقوع أضرار جسيمة في بعض المنشآت النووية المعروفة بتخصيب اليورانيوم مثل نطنز وفوردو وأصفهان، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن من التحقق من مكان نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. ووفقاً للوكالة، يُعتقد أن نصف تلك الكمية كانت مخزنة في مجمع أنفاق تحت الأرض بمركز أصفهان للأبحاث النووية. لكن الوكالة التابعة للأمم المتحدة لم تتمكن من تأكيد ذلك منذ تعليق عمليات التفتيش بسبب اندلاع الحرب على إيران، مما يثير تساؤلات حول مدى الشفافية والرقابة الدولية على هذا المخزون الحساس.
تداعيات البرنامج النووي الإيراني: أمن إقليمي وتوتر دولي
تُبذل واشنطن جهوداً ضخمة لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي عبر المفاوضات الجارية، وتمارس ضغوطاً قصوى على طهران من خلال تشديد الحصار البحري والاقتصادي بهدف دفعها إلى القبول بالاتفاق. إن امتلاك إيران لسلاح نووي يمكن أن يغير موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري، ويدفع دولاً أخرى في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، إلى السعي لامتلاك قدرات نووية خاصة بها، مما يهدد بنشر الأسلحة النووية على نطاق أوسع. على الصعيد الدولي، يمثل البرنامج النووي الإيراني تحدياً كبيراً لنظام عدم الانتشار النووي، ويزيد من التوترات بين إيران والقوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تعتبران البرنامج تهديداً مباشراً لأمنهما القومي. كما أن أي تصعيد عسكري محتمل قد يؤثر على أسواق الطاقة العالمية والملاحة في مضيق هرمز الحيوي.
هل تتغير أولويات طهران النووية؟
أوضح تقرير الوكالة أنه على الرغم من تزايد تمسك إيران ببرنامجها النووي وربما تطويره مستقبلاً، فإن ذلك لا يبدو أولوية فورية في المرحلة الحالية. فإيران تركز جهودها حالياً بشكل أكبر على إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، خصوصاً برامج الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب تعزيز نفوذها وتأمين موقعها في مضيق هرمز. وقد تكون طموحات إيران النووية قد تراجعت بوتيرة أكبر مما تعكسه التقديرات الاستخباراتية، وفقاً لـ «رويترز» التي أشارت إلى أن اغتيال إسرائيل لعدد من أبرز العلماء النوويين الإيرانيين خلال الحرب عمّق حالة عدم اليقين بشأن قدرة طهران على تطوير سلاح نووي. ولفت تقرير مؤسسة كارنيغي إلى إمكانية احتفاظ إيران بالقدرة -وربما الرغبة الأكبر من السابق- على إعادة بناء هذه القدرات النووية، بما في ذلك تطوير منشآت أصغر وأكثر سرية، خاصة بعدما حدث من تقييد لوصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى برامجها.


