في خطوة تاريخية تعكس تحولاً جذرياً في سياستها تجاه جارتها الجنوبية، أعلنت كوريا الشمالية رسمياً حذف الوحدة من دستورها، لتنهي بذلك عقوداً من السعي النظري للتوحيد مع كوريا الجنوبية. هذا القرار، الذي كشفت عنه وثيقة اطلعت عليها وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب) مؤخراً، يؤكد سعي بيونغ يانغ لاعتماد سياسة أكثر عدائية تجاه سيول، وترسيخ مبدأ «الدولتين المعاديتين» بدلاً من مفهوم الشعب الواحد المقسم مؤقتاً.
جذور الانقسام الكوري: سياق تاريخي معقد
تعود جذور الانقسام الكوري إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، عندما تم تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى منطقتي نفوذ أمريكية وسوفيتية. هذا التقسيم سرعان ما تحول إلى دولتين منفصلتين، جمهورية كوريا في الجنوب وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في الشمال، كل منهما تدعي الشرعية على كامل شبه الجزيرة. تصاعدت التوترات لتندلع الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953، والتي انتهت بهدنة وليس معاهدة سلام، مما ترك الكوريتين في حالة حرب تقنية حتى يومنا هذا. على الرغم من العداء، ظل هدف «إعادة توحيد الوطن الأم» مبدأً دستورياً وسياسياً راسخاً في كلا البلدين، وإن كان كل منهما يتصور هذا التوحيد وفقاً لنظامه الأيديولوجي الخاص. كانت الفقرة المحذوفة من دستور كوريا الشمالية تنص على أن البلاد «تناضل من أجل تحقيق توحيد الوطن الأم على أساس الاستقلال والتوحيد السلمي والوحدة الوطنية العظمى»، مما يعكس هذا الالتزام التاريخي.
تحول جذري: حذف الوحدة من دستور كوريا الشمالية
يكشف التعديل الدستوري الأخير عن حذف جميع الإشارات إلى الوحدة مع كوريا الجنوبية، مما يمثل قطيعة واضحة مع الماضي. لم يقتصر التعديل على الحذف فحسب، بل أضاف الدستور المعدل، ولأول مرة، بنداً إقليمياً يحدد أراضي كوريا الشمالية بأنها تحد جمهورية كوريا (الجنوبية) جنوباً، إلى جانب الصين وروسيا شمالاً. هذا التحديد الجغرافي يعكس اعترافاً دستورياً رسمياً بكوريا الجنوبية كدولة منفصلة، وليس كجزء من أمة مقسمة. يأتي هذا التعديل الدستوري تتويجاً لسلسلة من التصريحات والخطوات التي اتخذها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون منذ أواخر عام 2023، حيث تخلى علناً عن فكرة التوحيد السلمي، ووصف الكوريتين بـ«الدولتين المعاديتين»، معتبراً الجنوب «عدواً رئيسياً». شملت الخطوات السابقة تدمير الطرق والسكك الحديدية الحدودية المشتركة، وإزالة رموز الوحدة من الدعاية الرسمية، وتصعيد الخطاب العسكري العدائي.
تداعيات القرار: محلياً وإقليمياً ودولياً
يُنظر إلى هذا التغيير الدستوري على أنه محاولة لترسيخ سياسة «الدولتين» بشكل قانوني ودائم، مما ينهي أي التزام رسمي بالخطاب الذي كان ينظر إلى الكوريتين كشعب واحد مقسم مؤقتاً. هذا التحول يحمل تداعيات عميقة على عدة مستويات:
- على الصعيد المحلي: يعزز هذا القرار من قبضة النظام على السلطة من خلال إزالة أي أمل في حل سلمي للصراع، مما يبرر استمرار التعبئة العسكرية والتركيز على القوة الدفاعية والهجومية.
- على الصعيد الإقليمي: من المتوقع أن يؤدي هذا التصعيد إلى زيادة التوتر في شبه الجزيرة الكورية ومنطقة شمال شرق آسيا بأكملها. قد يدفع كوريا الجنوبية وحلفاءها، مثل الولايات المتحدة واليابان، إلى تعزيز تحالفاتهم وقدراتهم الدفاعية، مما قد يؤجج سباق تسلح إقليمي.
- على الصعيد الدولي: يعقد هذا القرار الجهود الدولية الرامية إلى نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، ويشير إلى أن بيونغ يانغ عازمة على اتباع مسار أكثر مواجهة. يأتي ذلك في سياق تعزيز كوريا الشمالية لتعاونها العسكري مع روسيا وتطوير برامجها النووية والصاروخية، مما يثير قلق المجتمع الدولي.
مستقبل العلاقات بين الكوريتين
في المقابل، أعربت كوريا الجنوبية عن قلقها البالغ إزاء هذه التعديلات، مؤكدة أنها لن تغير دستورها الذي يعتبر شبه الجزيرة الكورية بأكملها جزءاً من أراضيها، وتتمسك بمبدأ التوحيد السلمي. هذا التباين الجذري في الرؤى الدستورية والسياسية بين الشمال والجنوب ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار. فبدلاً من السعي نحو التقارب، يبدو أن بيونغ يانغ قد اختارت طريقاً يؤسس لعداء دائم ومؤسسي، مما يجعل أي حوار مستقبلي أكثر صعوبة وتعقيداً، ويضع المنطقة على شفا تصعيد محتمل في أي لحظة.


