كشف تقرير مجلس الذهب العالمي للربع الأول من عام 2026 أن أسواق الذهب في الخليج والشرق الأوسط شهدت خلال هذه الفترة حالة من التباين الواضح بين الطلب الاستهلاكي والاستثماري. ففي ظل الانعكاس المباشر لتأثير الأسعار القياسية والتوترات الجيوسياسية على سلوك الأفراد والمستثمرين، برز سوق الذهب في السعودية كنموذج للمرونة والتماسك، متفوقاً على نظرائه في المنطقة.
نظرة عامة على سوق الذهب الإقليمي والتحولات الاقتصادية
لطالما كان الذهب جزءاً لا يتجزأ من الثقافة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، حيث يُنظر إليه تقليدياً كرمز للثروة والزينة، وأداة للادخار في أوقات عدم اليقين. ومع ذلك، تشهد المنطقة تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، تدفع المستثمرين والأفراد لإعادة تقييم دور الذهب. ففي ظل مبادرات مثل رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستثمار، يزداد الوعي بأهمية الذهب كأصل استراتيجي للحفاظ على القيمة.
على مستوى المنطقة، تراجع الطلب على المجوهرات في الشرق الأوسط بنسبة 23% على أساس سنوي ليصل إلى 34.5 طناً، متأثراً بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية في بعض الدول، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين التي خلقتها التوترات الجيوسياسية. هذا التراجع الإقليمي يعكس حساسية الأسواق لتقلبات الأسعار العالمية والظروف المحلية.
مرونة سوق الذهب في السعودية: أرقام ودلالات
في المقابل، أظهر سوق الذهب في السعودية تماسكاً ملحوظاً. فقد انخفض الطلب على المجوهرات في المملكة إلى 12.7 طناً مقارنة بـ14.6 طناً في الربع الأول من عام 2025، أي بتراجع سنوي بلغ 13% فقط. هذه النسبة أقل بكثير من متوسط التراجع الإقليمي، مما يعكس استمرار قوة الطلب الاستهلاكي النسبي في السوق السعودي، مدعوماً بارتفاع مستويات الدخل والإنفاق الاستهلاكي خلال مواسم الأعياد وشهر رمضان، حيث أظهر الأداء الفصلي تعافياً قوياً بنسبة 41% مقارنة بالربع الرابع من عام 2025.
الذهب كأداة استثمارية: تحول في السلوك السعودي
تُظهر البيانات تحولاً تدريجياً في سلوك المستثمر الخليجي نحو الذهب كأداة ادخار وتحوط أكثر من كونه سلعة استهلاكية بحتة. ورغم تراجع الطلب الاستثماري على السبائك والعملات في الشرق الأوسط بنسبة 7% سنوياً ليصل إلى 26.4 طناً، إلا أن سوق الذهب في السعودية حافظ على استقراره النسبي في هذا الجانب. فقد بلغ الطلب 5.1 طناً مقارنة بـ4.4 طناً العام الماضي، مما يعكس نمواً سنوياً بنحو 15%. هذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها توضح أن المستثمر السعودي بدأ يتعامل مع الذهب باعتباره جزءاً من إدارة الثروة والتحوط من التضخم وتقلبات الأسعار، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار النفط والتوترات الإقليمية.
إعادة التدوير وسيولة السوق المحلي
كشفت بيانات إعادة التدوير عن اختلاف واضح في وضع السوق السعودي مقارنة ببعض دول المنطقة. ففي حين تراجعت عمليات إعادة تدوير الذهب في الشرق الأوسط نتيجة صعوبات النقل والاضطرابات اللوجستية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، سجلت السعودية ارتفاعاً سنوياً بنحو 9% في نشاط إعادة التدوير. هذا يعكس استمرار سيولة السوق المحلية وقدرتها على استيعاب حركة التداول، على الرغم من التحديات الإقليمية. ويشير ذلك أيضاً إلى أن ارتفاع الأسعار دفع بعض الأفراد للاستفادة من المستويات القياسية لتحقيق السيولة أو إعادة هيكلة محافظهم الذهبية.
التوقعات المستقبلية لسوق الذهب في السعودية والمنطقة
يمر سوق الذهب في السعودية حالياً بمرحلة انتقالية مهمة في طبيعة الطلب على الذهب. فبدلاً من الاعتماد التقليدي على المجوهرات فقط، بدأ يتشكل طلب استثماري أكثر نضجاً يرتبط بالتحوط وإدارة الثروة. هذا التحول يتماشى مع التطورات الاقتصادية في المملكة وارتفاع الوعي الاستثماري لدى الأفراد. وإذا استمرت أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة مع بقاء التوترات الجيوسياسية العالمية، فمن المرجح أن نشهد توسعاً أكبر في الطلب على السبائك والعملات داخل السعودية والخليج خلال الفترات القادمة، حتى مع استمرار الضغوط على الطلب الاستهلاكي التقليدي للمجوهرات. هذا يؤكد الدور المتزايد للذهب كأصل استراتيجي في إدارة الثروات الفردية والمؤسسية في المملكة.


