كشفت وسائل إعلام صينية، اليوم الخميس، عن تعرض ناقلة صينية كبيرة للمنتجات المكررة لهجوم قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي، يوم الثلاثاء الماضي. هذا الحادث، الذي وصفته مصادر صينية بأنه الأول من نوعه لناقلة نفط صينية، يثير تساؤلات جدية حول أمن الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم. ومع تزايد المخاطر، يبدو أن استراتيجية التخفي لعبور مضيق هرمز أصبحت خيارًا تلجأ إليه بعض السفن لتجنب الاستهداف.
ووفقًا لموقع “كايشين” الإخباري الصيني، تعرضت الناقلة المملوكة لشركة شحن صينية لهجوم قبالة ميناء الفجيرة عند مدخل مضيق هرمز، في الرابع من مايو الجاري. وأشار الموقع إلى أن النيران اشتعلت بسطح الناقلة التي كان مكتوبًا عليها “المالك وأفراد الطاقم من الصين”. ونقل الموقع عن مصدر مطلع بالشركة المالكة للناقلة قوله إن هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها ناقلة نفط صينية لهجوم، واصفًا ذلك بأنه أمر يصعب تقبله نفسيًا.
من جهة أخرى، ظهرت سفينة حاويات فرنسية في بحر العرب بعد أن شوهدت لآخر مرة في الخليج العربي، في مؤشر على عبور نادر لمضيق هرمز بواسطة سفينة أوروبية غربية. وذكرت وكالة “بلومبيرغ” أن بيانات تتبع السفن تبين أن السفينة CMA CGM Saigon، وهي سفينة حاويات صغيرة مملوكة لشركة الشحن الفرنسية CMA CGM، شوهدت بعد ظهر الثلاثاء في الخليج العربي، قبالة رأس الخيمة في الإمارات، ثم ظهرت السفينة مجددًا قبالة سواحل عُمان في وقت متأخر من الأربعاء، خلال توجهها إلى كولومبو في سريلانكا.
ورجحت الوكالة أن انقطاع إشاراتها يشير إلى عبور السفينة للمضيق دون رصد، نتيجة لإيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، وهو ما يُعرف بـ”التخفي”. هذا التكتيك، الذي يعني إيقاف نظام التعرف الآلي (AIS) الذي يبث موقع السفينة وهويتها، يُستخدم عادة لتجنب الكشف في مناطق خطرة، لكنه يحمل في طياته مخاطر الملاحة والسلامة.
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره حوالي ثلث النفط الخام والمنتجات البترولية السائلة المنقولة بحراً عالمياً. يربط المضيق الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويُعتبر شريان حياة اقتصادي لدول الخليج المنتجة للنفط والغاز. لطالما كان المضيق نقطة توتر جيوسياسي، وشهد على مر التاريخ العديد من الحوادث التي هددت أمن الملاحة فيه. فمنذ عقود، تتصاعد وتيرة التوترات في هذه المنطقة الحيوية، خاصة مع تزايد النفوذ الإقليمي وتنافس القوى الكبرى، مما يجعل أي حادث بحري فيه ذا تداعيات واسعة النطاق. الهجمات المتكررة على السفن التجارية وناقلات النفط في السنوات الأخيرة، سواء كانت منسوبة لأطراف إقليمية أو دولية، تؤكد هشاشة الوضع الأمني وتزيد من المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
التخفي لعبور مضيق هرمز: استراتيجية جديدة لمواجهة المخاطر
إن لجوء السفن إلى استراتيجية التخفي لعبور مضيق هرمز، عبر إيقاف أنظمة التعرف الآلي (AIS)، يعكس مدى تفاقم المخاطر التي تواجهها شركات الشحن. ففي الظروف العادية، يُعد نظام AIS إلزاميًا لمعظم السفن الكبيرة لضمان السلامة البحرية وتجنب الاصطدامات، كما أنه يوفر الشفافية اللازمة لتتبع حركة التجارة العالمية. ومع ذلك، فإن إيقاف هذا النظام، المعروف بـ”الذهاب إلى الظلام” (going dark)، يسمح للسفن بالتحرك دون الكشف عن موقعها، مما قد يقلل من احتمالية استهدافها في مناطق النزاع. لكن هذا التكتيك لا يخلو من المخاطر؛ فهو يزيد من احتمالية الحوادث البحرية بسبب نقص المعلومات حول حركة السفن الأخرى، ويصعب من جهود الإنقاذ في حال وقوع طارئ، كما أنه يثير تساؤلات حول مدى التزام شركات الشحن بالمعايير الدولية للسلامة والشفافية.
تداعيات الهجمات على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة
تتجاوز تداعيات الهجمات على ناقلات النفط والسفن التجارية في مضيق هرمز مجرد الأضرار المادية للسفن. فمحليًا وإقليميًا، تزيد هذه الحوادث من حالة عدم الاستقرار وتؤثر سلبًا على الثقة في المنطقة كمركز تجاري آمن. دول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على هذا الممر لتصدير نفطها وغازها، تجد نفسها في مواجهة تحديات أمنية واقتصادية متزايدة. أما دوليًا، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هرمز يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، مما يؤثر على الاقتصادات الكبرى ويعرض سلاسل الإمداد للخطر. كما أن ارتفاع تكاليف التأمين على السفن التي تعبر المنطقة يضيف عبئًا ماليًا كبيرًا على شركات الشحن، وينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع للمستهلكين. هذه التطورات تستدعي استجابة دولية منسقة لضمان أمن الملاحة وحماية التجارة العالمية من التهديدات المتزايدة.


