لا يمكن النظر إلى مسودة الاتفاقات التي سربها موقع (أكسيوس) بوصفها نصوصًا نهائية، بل هي في جوهرها خارطة طريق أمريكية لاختبار سقف التفاوض مع طهران في لحظة حرجة. إن الكشف عن بنود تقنية معقدة، مثل تجميد التخصيب لمدة 12 عامًا، في توقيت يشهد توترًا ملحوظًا في مضيق هرمز، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التفاهم النووي في هرمز المحتمل. هل تهدف هذه التسريبات إلى إطلاق تسوية حقيقية تبدأ بـ30 يومًا من المفاوضات المعمقة كما تروج المسودة؟ أم أنها مجرد بالون اختبار لرمي الكرة في الملعب الإيراني وتبرئة ساحة واشنطن من تعثر المسار الدبلوماسي؟
إن الرد الإيراني السريع، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، الذي وصف البنود بـ”قائمة أمنيات”، يؤكد أننا أمام اشتباك دبلوماسي يستخدم المسودات المسربة كأدوات للضغط المتبادل على طاولة القرار. تعتمد المسودة المقترحة في جوهرها على آليات إجرائية تهدف إلى خلق “منطقة عازلة” زمنية تضمن استقرار الممرات المائية وسوق الطاقة العالمي. ويبرز في هذا السياق “مدة الـ12 عامًا” كإطار زمني مقترح لتثبيت واقع نووي جديد. لكن العقدة تكمن في “البند المرن” الذي أضافته واشنطن، والذي يتيح زيادة مدة وقف التخصيب في حال رصد أي تجاوزات. هذا البند يعمل كآلية زناد تقنية تمنح المفتشين الدوليين صلاحيات وصول فوري للمنشآت تحت طائلة العودة التلقائية للعقوبات دون الحاجة لتسوية جديدة. وبموجب هذا الربط، يصبح رفع الحصار الاقتصادي مرهونًا بجدول زمني صارم لإخراج اليورانيوم عالي التخصيب ونقله إلى طرف ثالث كضمانة للتنفيذ الملموس، وهو ما ترفضه طهران وتعتبره نزعًا للسيادة التقنية تحت ستار التفتيش.
تطورات الملف النووي الإيراني: من البدايات إلى الاتفاقات المعلقة
لفهم أبعاد التسريبات الحالية، لا بد من استعراض الخلفية التاريخية للملف النووي الإيراني. بدأت طهران برنامجها النووي في الخمسينيات بدعم أمريكي، لكنه تسارع بعد الثورة الإسلامية عام 1979، مما أثار مخاوف دولية بشأن طبيعته السلمية. تصاعدت هذه المخاوف مع الكشف عن منشآت تخصيب سرية في أوائل الألفية الجديدة، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية صارمة على إيران. في عام 2015، توصلت إيران ومجموعة 5+1 (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا) إلى الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). نص الاتفاق على تقييد البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات مشددة، مما دفع إيران تدريجيًا إلى التراجع عن بعض التزاماتها النووية، وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي أعاد الأزمة إلى نقطة حرجة، وجعل أي تفاهم نووي في هرمز مستقبلي أكثر تعقيدًا.
وبموازاة التعقيدات الفنية للملف النووي، يمثل تأمين الممرات المائية الدافعة الأساسية في طرح هذه المسودة. فالتسريبات التي تتحدث عن “إعلان إنهاء الحرب” تعكس رغبة دولية جامعة في تحويل الممرات المائية من ساحات اشتباك إلى طرق تجارية آمنة ومستقرة. ويُعد سحب “مشروع الحرية” الأمريكي بمثابة تنازل ميداني مقابل المطالب التقنية، مما يجعل من المسودة محاولة لهندسة “هدنة اقتصادية” طويلة الأمد تضمن تدفق الطاقة مقابل تجميد الطموح النووي. أما البند المتعلق بضمان حرية الحركة في هرمز، فهو ركيزة إدارية تتيح للدول الإقليمية والشركات العالمية وضع خطط تشغيلية طويلة الأمد بعيدًا عن مخاطر التصعيد أو الاستهداف الميداني. لذا، فإن المسودة في جوهرها هي محاولة لخصخصة الأمن الملاحي وجعله جزءًا من الاتفاق النووي، وهو ما يمنح المفاوضات طابعًا “عملياتيًا” يتجاوز الغرف المغلقة ليصل إلى أرصفة الموانئ العالمية.
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي وتداعيات أي تفاهم نووي في هرمز
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي. يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. أي اضطراب في هذا المضيق، سواء كان نتيجة لتصعيد عسكري أو توترات سياسية، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية وتداعيات اقتصادية وخيمة على الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء. لذلك، فإن أي تفاهم نووي في هرمز أو اتفاق يضمن استقرار المنطقة، يحمل أهمية قصوى ليس فقط للأطراف المعنية بشكل مباشر، بل للمجتمع الدولي بأسره. إن التموضع الأمريكي في المنطقة، سواء كان عسكريًا أو دبلوماسيًا، يهدف غالبًا إلى حماية هذه المصالح الحيوية وضمان حرية الملاحة، مع محاولة احتواء النفوذ الإيراني الذي يعتبره البعض تهديدًا لهذه المصالح.
إن دخول أطراف مثل الصين وباكستان في سياق هذه التسوية، عبر مسار “إسلام أباد 2″، يمنح المسودة طابعًا يتجاوز الرغبة الأمريكية المنفردة. فبينما تبحث الصين عن استقرار ضروري لحماية مسار الحرير، يجعل هذا من التسريبات الأمريكية محاولة لاستقطاب بكين كضامن للجانب الإيراني في تنفيذ الالتزامات التقنية. وبذلك، تصبح المسودة عملية تقاطع مصالح دولية تسعى لإنهاء حالة عدم اليقين في الممرات المائية، حيث تنظر إدارة الموانئ العالمية إلى بكين كطرف قادر على تحويل التهدئة المؤقتة إلى بروتوكول تشغيلي مستدام، يراقب آليات التنفيذ دون الحساسية التي يثيرها الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة. فهل نحن أمام مسودة واقعية تمتلك مقومات التنفيذ، أم مجرد مناورة إعلامية صُممت لتقاسم الوقت الضائع؟ إن تهديد الترامب بالانتقال من مشروع الحرية إلى الحصار الفعال يطرح تساؤلات أعمق من تفاصيل التخصيب: هل يمكن لممرات الملاحة في هرمز أن تحتمل رهانات الورق المسرب بينما يظل الميدان الأول لترجمة أي فشل دبلوماسي؟ وإذا كانت المهلة الزمنية المتداولة لا تزال حبيسة التكهنات، فمن يضمن ألا تتحول الضمانات المؤقتة إلى مناورة لاستدراج الأطراف نحو مواجهة بكثافة غير مسبوقة؟


