تتجه الأنظار نحو العاصمة السورية دمشق، حيث يستعد المسؤول اللبناني رفيع المستوى، السيد نواف سلام، لزيارة رسمية تستغرق ساعات يوم غد السبت. تكتسب زيارة سلام دمشق أهمية بالغة، إذ يرافقه وفد وزاري واقتصادي رفيع المستوى للقاء المسؤول السوري رفيع المستوى، السيد أحمد الشرع، حيث تتصدر أجندة المباحثات ملفات أمنية واقتصادية شائكة وحيوية للبلدين.
سياق العلاقة اللبنانية السورية وتحديات المرحلة
تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية متزايدة تواجه كل من لبنان وسوريا. لطالما ارتبط البلدان بعلاقات تاريخية وجغرافية عميقة، لكنها شهدت تقلبات كبيرة، خاصة بعد الأزمة السورية التي بدأت عام 2011. هذه الأزمة ألقت بظلالها الكثيفة على لبنان، مسببة ضغوطاً هائلة تتعلق باللاجئين، وتداعيات اقتصادية، وتحديات أمنية على الحدود المشتركة. إن الحاجة إلى تنسيق الجهود المشتركة لمواجهة هذه التحديات أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً مع تزايد المخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة بأسرها.
مؤخراً، كشفت السلطات السورية عن أنفاق عسكرية وخلايا مرتبطة بحزب الله داخل أراضيها، وهو ما يفرض ضرورة ملحة للتعاون الأمني لضبط الحدود المشتركة ومنع أي تهريب أو تسلل قد يزعزع الاستقرار. هذه التطورات تزيد من أهمية المباحثات الأمنية، حيث يسعى الجانبان إلى تعزيز التواجد العسكري المشترك ومنع التهريب بجميع أشكاله، لا سيما تهريب السلاح، الذي يشكل تهديداً مباشراً لأمن البلدين والمنطقة.
الأبعاد الاقتصادية: من الطاقة إلى المعابر الحيوية
على الصعيد الاقتصادي، تسعى زيارة سلام دمشق إلى معالجة قضايا حيوية تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين في كلا البلدين. من أبرز الملفات المطروحة هو ملف استجرار الطاقة، الذي تأثر سابقاً بالعقوبات المفروضة على النظام السوري. يبرز اهتمام لبناني جاد بتوجيه المباحثات نحو اتفاق ثلاثي يجمع لبنان وسوريا والأردن لتأمين احتياجات لبنان من الكهرباء، في خطوة قد تخفف من أزمة الطاقة المزمنة التي يعاني منها لبنان. هذا التعاون الإقليمي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
كما يولي الجانبان أهمية قصوى لتأمين المعابر الرسمية التي تشكل شرايين حيوية لحركة الأفراد والبضائع. معابر مثل العريضة والدبوسية وتلكلخ وجوسيه، بالإضافة إلى التركيز الخاص على «معبر المصنع» الرئيسي، تعد نقاطاً محورية للتجارة والتبادل. تعزيز أمن هذه المعابر وتسهيل حركتها يساهم في تنشيط الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن المواطنين، ويعد خطوة أساسية نحو استعادة النشاط التجاري الطبيعي بين البلدين.
ملفات إنسانية وقضائية ذات أولوية
لا تقتصر أجندة الزيارة على الجانبين الأمني والاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضاً ملفات إنسانية وقضائية ذات أولوية. يتابع جدول الأعمال ملف السجناء السوريين في لبنان، حيث استندت العملية رسمياً إلى اتفاقية التعاون القضائي الموقعة سابقاً. وقد جرى تسليم الدفعة الأولى من السجناء، والتي شملت نحو 137 سجيناً من أصحاب الأحكام المبرمة، في مارس الماضي. تهدف المباحثات إلى متابعة هذا الملف الإنساني لضمان حقوق السجناء وتخفيف الاكتظاظ في السجون، وهو ما يعكس التزاماً مشتركاً بالعدالة وحقوق الإنسان.
بالتوازي مع ذلك، ستطرح خلال اللقاءات مسألة الاتفاقيات الثنائية القديمة بين البلدين، بهدف إعادة دراسة عدد منها وتحديثها بما يتلاءم مع المرحلة السياسية الجديدة والتغيرات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة. هذا التحديث للاتفاقيات يمكن أن يمهد الطريق لتعاون أوسع وأكثر فعالية في مختلف المجالات، ويعكس رغبة في بناء علاقة مستقبلية مبنية على أسس متينة ومتجددة.
تأثير الزيارة على المشهد الإقليمي
إن نتائج هذه الزيارة قد تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا، لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي الأوسع. في ظل التوترات المستمرة في المنطقة، يمكن أن تساهم أي خطوات نحو تعزيز الاستقرار والتعاون بين الدول المتجاورة في تخفيف حدة هذه التوترات. فالتنسيق الأمني الفعال يمكن أن يحد من أنشطة الجماعات المتطرفة والتهريب، بينما يمكن للتعاون الاقتصادي أن يدعم جهود التعافي ويفتح قنوات جديدة للتجارة والاستثمار. هذه المباحثات تمثل فرصة مهمة لإعادة تقييم مسار العلاقات وتحديد خارطة طريق لمستقبل يسوده الاستقرار والازدهار المشترك.


