كشف تقرير حديث صادر عن «معهد العلم والأمن الدولي» (Institute for Science and International Security – ISIS)، وهو معهد أبحاث غير حكومي ومقره واشنطن، عن تراجع كبير في قدرة إيران النووية على تصنيع سلاح نووي. يأتي هذا التقييم في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية المتعلقة ببرنامج طهران النووي، ويشير إلى أن الجهود المبذولة لعرقلة مساعي إيران النووية قد بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملحوظ.
خلفية تاريخية: برنامج إيران النووي والاتفاقيات الدولية
يعود تاريخ برنامج إيران النووي إلى خمسينيات القرن الماضي، لكنه اكتسب زخماً كبيراً وأصبح مصدراً للقلق الدولي في أوائل الألفية الثالثة، خاصة مع الكشف عن منشآت تخصيب اليورانيوم السرية. أثار هذا البرنامج مخاوف عميقة بشأن احتمالية سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية، مما دفع المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران والدخول في مفاوضات مكثفة. توجت هذه المفاوضات في عام 2015 بتوقيع الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). نص الاتفاق على تقييد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018، مما أدى إلى تدهور سريع في الوضع وعودة إيران تدريجياً إلى تجاوز القيود المفروضة على برنامجها، بما في ذلك زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم.
تدمير ممنهج يضرب البنية التحتية النووية
أفاد المعهد في تقريره الأخير بأنه تم تدمير موقع “طالقان 2” النووي المخصص لصنع مفجر قلب القنبلة بالكامل، على الرغم من أن إيران لم تعلن رسمياً عن خسائرها العسكرية أو حتى المواقع التي طالتها الهجمات بشكل واضح ومفصل. كما أشار التقرير إلى إلحاق أضرار بالغة بمنشأة أراك للمياه الثقيلة، وتدمير مداخل مخازن اليورانيوم في منشأتي نطنز وأصفهان. هذه الضربات الممنهجة تستهدف البنية التحتية الحيوية لبرنامج إيران النووي، مما يعيق قدرتها على التقدم في مساعيها.
وفيما يتعلق باليورانيوم عالي التخصيب، أكد المعهد أنه “من الصعب نقله من نطنز وأصفهان دون أن يتم رصده”. هذا يشير إلى أن أي محاولة إيرانية لنقل المواد النووية الحساسة ستكون عرضة للاكتشاف، مما يحد من مرونة طهران في التعامل مع مخزوناتها. كانت التقديرات السابقة تشير إلى أن طهران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، ونحو 200 كيلوغرام من المواد الانشطارية المخصبة بنسبة 20%، وهي كميات يمكن تحويلها بسهولة إلى يورانيوم مخصب بنسبة 90% اللازم لصنع الأسلحة النووية.
تأثير الضربات على قدرة إيران النووية ومخاوف الوكالة الدولية
من جانبه، أعرب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، عن اعتقاده بأن اليورانيوم موجود بشكل رئيسي في موقعين من المواقع الثلاثة التي استهدفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو من العام الماضي. هذه المواقع تشمل نفقاً تحت الأرض في المجمع النووي بأصفهان ومستودعاً في نطنز. هذه التصريحات تزيد من مصداقية تقارير معهد العلم والأمن الدولي وتؤكد على حجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج الإيراني.
تأتي هذه التقديرات في وقت حساس للغاية، حيث ترتبط بتسليم طهران رداً على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، وتصاعد التوتر بين الجانبين بشكل ملحوظ، خاصة بعد تبادل إطلاق النار الأخير. تشدد واشنطن على أنها لن تسمح مطلقاً للنظام الإيراني بامتلاك سلاح نووي، أو حتى تخصيب اليورانيوم لمستويات عسكرية. في المقابل، تصر طهران على حقها في تخصيب اليورانيوم لسنوات عديدة، دون التخلي عن هذا الحق بشكل مطلق، مما يعكس استمرار التباين العميق في المواقف بين الأطراف.
التداعيات الإقليمية والدولية لتراجع القدرات النووية الإيرانية
إن تراجع قدرة إيران النووية على تصنيع الأسلحة يحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة. على الصعيد الإقليمي، قد يقلل هذا التطور من حدة المخاوف الأمنية لدى دول الجوار، مثل إسرائيل ودول الخليج العربي، التي طالما اعتبرت البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً لأمنها واستقرارها. يمكن أن يفتح هذا التراجع الباب أمام فرص دبلوماسية جديدة، أو على الأقل يقلل من احتمالية التصعيد العسكري المباشر في المنطقة.
أما على الصعيد الدولي، فيعزز هذا التطور جهود نظام عدم انتشار الأسلحة النووية ويؤكد على فعالية الضغوط الدولية، سواء كانت عقوبات اقتصادية أو عمليات استخباراتية وعسكرية سرية. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يظل في كيفية استغلال هذا التراجع لضمان التزام إيران الكامل بالمعاهدات الدولية ومنعها من استئناف مساعيها النووية العسكرية في المستقبل. يبقى المجتمع الدولي على أهبة الاستعداد لمراقبة التطورات عن كثب، مع التأكيد على أن أي تقدم إيراني نحو امتلاك سلاح نووي سيواجه رداً حاسماً.


