تترقب المنشآت في المملكة العربية السعودية بفارغ الصبر اعتماد سياسة جديدة تهدف إلى تقليل ازدواجية التفتيش على المنشآت، وذلك بعد إغلاق الاستطلاع الخاص بها عبر منصة «استطلاع». يأتي هذا التوجه ضمن مساعٍ حثيثة لتنظيم الحملات الرقابية وتوحيد إجراءاتها بين مختلف الجهات الحكومية، مما يسهم بشكل مباشر في الحد من تكرار الزيارات الميدانية ورفع كفاءة الامتثال لدى القطاع الخاص. وقد طُرحت هذه السياسة المقترحة الشهر الماضي لأخذ مرئيات العموم والجهات ذات العلاقة، تمهيداً لاعتمادها ضمن إطار تطوير منظومة التفتيش والرقابة في المملكة.
تحديات الماضي: ضرورة توحيد الجهود الرقابية
لطالما واجه القطاع الخاص تحديات جمة جراء تعدد الجهات الرقابية وغياب التنسيق الفعال بينها، مما أدى إلى زيارات تفتيشية متكررة وغير منسقة للمنشآت. هذه الازدواجية لم تكن تستهلك وقتاً وجهداً كبيراً من أصحاب الأعمال فحسب، بل كانت تزيد أيضاً من الأعباء التشغيلية وتعيق سير العمل، وفي بعض الأحيان تؤدي إلى تضارب في المتطلبات والمعايير. هذا الوضع كان يشكل عائقاً أمام نمو الاستثمار وتنافسية الشركات. إن التوجه الحالي نحو توحيد وتنسيق الجهود الرقابية يمثل استجابة مباشرة لهذه التحديات التاريخية، ويأتي متسقاً مع رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تحسين بيئة الأعمال وجعلها أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي، من خلال تعزيز كفاءة الأداء الحكومي وتمكين القطاع الخاص.
وتهدف الوثيقة بشكل أساسي إلى توحيد وتنظيم إجراءات حملات التفتيش بين الجهات الرقابية المتعددة، والحد من تكرار الزيارات على المنشآت. كما تسعى إلى رفع كفاءة الحملات وتحسين جودة التخطيط والتنفيذ والمتابعة، بما يسهم في تعزيز الامتثال وتقليل الأعباء التشغيلية على القطاع الخاص، وبالتالي تحفيز النمو الاقتصادي. وقد تضمّنت السياسة المقترحة عدداً من الضوابط المحورية؛ أبرزها إعداد خطط سنوية للحملات الرقابية وفق مؤشرات ومستهدفات محددة وواضحة، مع ضرورة التنسيق المسبق والفعال بين الجهات ذات العلاقة قبل تنفيذ أي حملات تفتيشية. إضافة إلى ذلك، تؤكد السياسة على الاعتماد على تحليل المخاطر والبيانات الدقيقة في تحديد القطاعات والمنشآت المستهدفة بالتفتيش، مما يضمن توجيه الجهود الرقابية نحو الأماكن الأكثر حاجة والأعلى خطورة. كما شدّدت الوثيقة على أهمية توثيق نتائج الحملات وقياس أثرها بشكل مستمر، وإعداد تقارير دورية تتضمن نسب الامتثال والمعوقات والملاحظات المتكررة، بما يتيح تطوير الأداء الرقابي ورفع كفاءته بصورة مستمرة وممنهجة. ومن أبرز ما تضمنته السياسة كذلك، التركيز على توحيد الرسائل والإجراءات الميدانية بين الجهات المشاركة، وتحديد الأدوار والمسؤوليات بشكل واضح ودقيق، إلى جانب تعزيز استخدام الحلول التقنية المتقدمة وتبادل البيانات بين الجهات الرقابية، بما يدعم الحوكمة الرشيدة ويرفع مستوى الشفافية في العمل الرقابي.
آفاق جديدة: تعزيز بيئة الأعمال ودعم الاستثمار
الآثار المتوقعة لهذه السياسة تتجاوز مجرد التعديلات الإجرائية لتلامس جوهر بيئة الأعمال والاستثمار في المملكة. على الصعيد المحلي، من المتوقع أن يؤدي تقليل ازدواجية التفتيش على المنشآت إلى خفض كبير في التكاليف التشغيلية على القطاع الخاص، وتحرير وقته وموارده للتركيز على الابتكار والتوسع بدلاً من التعامل مع زيارات تفتيشية متكررة. هذا التحسين في بيئة الأعمال سيعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، مما يدعم جهود المملكة في جذب الاستثمارات المباشرة وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية. إقليمياً ودولياً، ستسهم هذه الخطوة في تحسين تصنيف المملكة في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال العالمية، مثل تقرير البنك الدولي، مما يعكس التزامها بتوفير بيئة جاذبة وتنافسية تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية. كما ستعزز من سمعة المملكة كمركز اقتصادي رائد يتبنى الحوكمة الفعالة والرقابة الرشيدة. بالنسبة للجهات الحكومية، ستتيح السياسة الجديدة استخداماً أكثر كفاءة للموارد، وتوجيه جهود التفتيش بناءً على تحليل المخاطر والبيانات، مما يضمن فعالية أكبر للرقابة ويقلل من الهدر، ويسهم في بناء نظام رقابي أكثر ذكاءً واستدامة.
ويأتي هذا المشروع الطموح ضمن توجهات المركز الوطني للتفتيش والرقابة الرامية إلى تنظيم أعمال التفتيش ورفع كفاءة التنسيق بين الجهات الحكومية، بما ينعكس إيجاباً على تحسين بيئة الأعمال ودعم الاستثمار ورفع مستوى الالتزام بالأنظمة والاشتراطات في مختلف القطاعات الحيوية.


